الزهراء
03-15-2009, 10:12 PM
[Only Registered Users Can See Links] ([Only Registered Users Can See Links])
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عِرق النَّسا
روى ابن ماجه في (( سننه )) من حديث محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك ، قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((دَوَاءُ عِرْقِ النّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيّةٍ تُذَابُ ، ثُمّ تُجَزّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، ثُمّ يُشْرَبُ عَلَى الرّيقِ فِي كُلّ يَوْمٍ جُزْءٌ )) (1) .
عِرق النساء : وجع يبتدئ مِن مَفْصِل الوَرِك، وينزِل مِن خلف على الفخذ ، وربما على الكعب ، وكلما طَالت مدتُه ، زاد نزولُه ، وتُهزل معه الرجل والفَخِذُ ، وهذا الحديثُ فيه معنى لغوي ، ومعنى طبي .
فأما المعنى اللغوي ، فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافًا لمن منع هذه التسمية ، وقال : النسا هو العرق نفسه ، فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه ، وهو ممتنع .
وجواب هذا القائل من وجهين . أحدهما : أن العرق أعم من النسا ، فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو : كُل الدراهم أو بعضها .
الثاني : أن النسا : هو المرض الحال بالعرق ، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محلِّهِ وموضعه . قيل : وسمي بذلك لأن ألمه يُنسِي ما سواه ، وهذا العرق ممتد من مَفْصِلِ الوَرِك ، وينتهي إلى آخر القدم وراءَ الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر .
و أما المعنى الطبي : فقد تقدم أن كلامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما : عام بحسب الأزمان ، والأماكن ، والأشخاص ، والأحوال .
والثاني : خاص بحسب هذه الأمور أو بعضها ، وهذا من هذا القسم ، فإن هذا خطاب للعرب ، وأهل الحجاز ، ومن جاورهم ، ولا سيما أعراب البوادي ، فإن هذا العِلاجَ من أنفع العلاج لهم ، فإن هذا المرض يحدث من يُبس وقد يحدث من مادة غليظة لَزِجَة ، فعِلاجُها بالإسهال والألْيَةُ فيها الخاصيتان : الإنضاج ، والتليين، ففيها الإنضاج ، والإخراج .
وهذا المرضُ يحتاج عِلاجُه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية لِقلة فصولها ، وصِغر مقدارها ، ولُطف جوهرها ، وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة ، كالشِّيحِ ، والقَيْصُوم ، ونحوهما ، وهذه النباتاتُ إذا تغذَّى بها الحيوانُ ، صار في لحمه من طبعها بعد أن يُلَطِّفَها تغذيه بها ، ويُكسبها مزاجاً ألطفَ منها ، ولا سيما الألية ، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم ، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج والتليين لا تُوجد في اللبن (1) ، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة ، وعليه أطباء الهند .
وأما الروم واليونان، فيعتنون بالمركَّبة وهم متفقون كُلُّهم على أن مِن مهارة الطبيب أن يداوي بالغِذاء ، فإن عجز فبالمُفرد ، فإن عجز ، فبما كان أقلَّ تركيباً .
وقد تقدم أن غالب عاداتِ العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة ، فالأدوية البسيطة تُناسبها ، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب . وأما الأمراضُ المركبة ، فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها ، فاختيرت لها الأدوية المركبة ، والله تعالى أعلم .
***
(1) أخرجه ابن ماجه (3463) في الطب : باب دواء عرق النسا ، و رجاله ثقات ، و قال البوصيري في ((الزوائد)) 216/1 : إسناده صحيح.
(1) قال الدكتور عادل الأزهري : عرق النسا : هو مرض يصيب النساء و الرجال على السواء ، و آلامه مفرطة تبتدئ غالباً في أسفل العمود الفقري ، و يمتد الألم إلى إحدى الإليتين ، ثم إلى الجزء الخلفي من الفخذ ، و أحياناً حتى الكعب. و ينتج غالباً من انفصال غضروفي بأسفل العمود الفقري ، أو التهاب روماتزمي بالعصب الإنسي ، و علاجه الأساسي الراحة التامة على الظهر لمدة خمسة عشر يوماً على الأقل مع إعطاء مهدئات للألم مثل الأسبرين ... و الحجامات الجافة و الكي أحياناً يساعدان على علاجه.
كتاب الطب النبوي لابن القيم الجوزية
حقق نصوصه ، و خرَّج أحاديثه ، و علَّق عليه شعيب الأرنؤوط و عبد القادر الأرنؤوط.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عِرق النَّسا
روى ابن ماجه في (( سننه )) من حديث محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك ، قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((دَوَاءُ عِرْقِ النّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيّةٍ تُذَابُ ، ثُمّ تُجَزّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، ثُمّ يُشْرَبُ عَلَى الرّيقِ فِي كُلّ يَوْمٍ جُزْءٌ )) (1) .
عِرق النساء : وجع يبتدئ مِن مَفْصِل الوَرِك، وينزِل مِن خلف على الفخذ ، وربما على الكعب ، وكلما طَالت مدتُه ، زاد نزولُه ، وتُهزل معه الرجل والفَخِذُ ، وهذا الحديثُ فيه معنى لغوي ، ومعنى طبي .
فأما المعنى اللغوي ، فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافًا لمن منع هذه التسمية ، وقال : النسا هو العرق نفسه ، فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه ، وهو ممتنع .
وجواب هذا القائل من وجهين . أحدهما : أن العرق أعم من النسا ، فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو : كُل الدراهم أو بعضها .
الثاني : أن النسا : هو المرض الحال بالعرق ، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محلِّهِ وموضعه . قيل : وسمي بذلك لأن ألمه يُنسِي ما سواه ، وهذا العرق ممتد من مَفْصِلِ الوَرِك ، وينتهي إلى آخر القدم وراءَ الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر .
و أما المعنى الطبي : فقد تقدم أن كلامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما : عام بحسب الأزمان ، والأماكن ، والأشخاص ، والأحوال .
والثاني : خاص بحسب هذه الأمور أو بعضها ، وهذا من هذا القسم ، فإن هذا خطاب للعرب ، وأهل الحجاز ، ومن جاورهم ، ولا سيما أعراب البوادي ، فإن هذا العِلاجَ من أنفع العلاج لهم ، فإن هذا المرض يحدث من يُبس وقد يحدث من مادة غليظة لَزِجَة ، فعِلاجُها بالإسهال والألْيَةُ فيها الخاصيتان : الإنضاج ، والتليين، ففيها الإنضاج ، والإخراج .
وهذا المرضُ يحتاج عِلاجُه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية لِقلة فصولها ، وصِغر مقدارها ، ولُطف جوهرها ، وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة ، كالشِّيحِ ، والقَيْصُوم ، ونحوهما ، وهذه النباتاتُ إذا تغذَّى بها الحيوانُ ، صار في لحمه من طبعها بعد أن يُلَطِّفَها تغذيه بها ، ويُكسبها مزاجاً ألطفَ منها ، ولا سيما الألية ، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم ، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج والتليين لا تُوجد في اللبن (1) ، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة ، وعليه أطباء الهند .
وأما الروم واليونان، فيعتنون بالمركَّبة وهم متفقون كُلُّهم على أن مِن مهارة الطبيب أن يداوي بالغِذاء ، فإن عجز فبالمُفرد ، فإن عجز ، فبما كان أقلَّ تركيباً .
وقد تقدم أن غالب عاداتِ العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة ، فالأدوية البسيطة تُناسبها ، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب . وأما الأمراضُ المركبة ، فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها ، فاختيرت لها الأدوية المركبة ، والله تعالى أعلم .
***
(1) أخرجه ابن ماجه (3463) في الطب : باب دواء عرق النسا ، و رجاله ثقات ، و قال البوصيري في ((الزوائد)) 216/1 : إسناده صحيح.
(1) قال الدكتور عادل الأزهري : عرق النسا : هو مرض يصيب النساء و الرجال على السواء ، و آلامه مفرطة تبتدئ غالباً في أسفل العمود الفقري ، و يمتد الألم إلى إحدى الإليتين ، ثم إلى الجزء الخلفي من الفخذ ، و أحياناً حتى الكعب. و ينتج غالباً من انفصال غضروفي بأسفل العمود الفقري ، أو التهاب روماتزمي بالعصب الإنسي ، و علاجه الأساسي الراحة التامة على الظهر لمدة خمسة عشر يوماً على الأقل مع إعطاء مهدئات للألم مثل الأسبرين ... و الحجامات الجافة و الكي أحياناً يساعدان على علاجه.
كتاب الطب النبوي لابن القيم الجوزية
حقق نصوصه ، و خرَّج أحاديثه ، و علَّق عليه شعيب الأرنؤوط و عبد القادر الأرنؤوط.