بن جايل الصادري
11-03-2009, 12:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصة ( مزرعة القرية المشهورة ) وإدعاء كليب السُلمي لها .
كان مرداس من سادة العرب . ومن سادة سُليم وفرسانها وأثريائها . وقد اشترك مع حرب بن أمية القرشي في ( القرية ) , وهي غيضة شجر ملتف لايُرام .. قيل : إنهما مرا بها يوماً , فقال مرداس لحرب : أما ترى هذا الوضع ؟ .. قال : نعم ! .. بلى ! .. قال : نعم المُزدرع هو , فهل لك أن تكوني شريكي فيه , ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذالك ؟ قال : نعم ! .. فأضرما النار في الغيضة . فلما إستطارت النار وعلا فيها لهب , سُمع فيها أنين وضجيج كثير , ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها . ولم يلبث مرداس وحرب أن ماتا .
وينسبون موت مرداس إلى الجن – ربما لأنه هو صاحب الفكرة الذي أشار على حرب بن أمية بإزدراع الغيضة وإشعال النار فيها حتى ظهرت منها الحيات البيض وطارت هاربة منها – ودفن مرداس بن أبي عامر بالقرية التي إستصلحها وازدرعها , ثم إدعاها بعد ذالك كليب بن أبي عيهمة السُلمي ثم الظفري . وقد طالب العباس بن مرداس بحقه في القرية , وقال قصيدته النونية يُخاطب بها كليباً ويهجوه ويحذره من مغبة الظلم ..
وكان كليب السُلمي هذا قد جحد بني مرداس حصتهم من ( القرية ) التي عمرها أبوهم مرداس مع حرب بن أمية . قال عباس يُخاطب كُليباً :
أكُليب ! مالك كل يوم ظالماً *** والظلم أنكد وجهه الملعونُ
قد كان قومك يحسبونك سيداً *** وإخال أنك سيد معيون
فإذا رجعت إلى نسائك فادهن *** إن المسالم رأسه مدهون
وافعل بقومك ما أراد بوائل *** يوم الغدير سميك المطعون
وإخال أنك سوف تلقى مثلها *** في صفحتيك سنانها المسنونُ
إن ( القرية ) قد تبين أمرها *** إن كان ينفع عندك التبيينُ
حيث إنطلقت تخطها لي ظالماً *** وأبو يزيد بجوها مدفونُ
و ( أبو يزيد ) في البيت الأخير هو والد عباس بن مرداس .
وهكذا نرى عباساً يهدد كُليباً تهديداً مباشراً , مما يدل أن هذا الشعر قاله في الجاهلية قبل أن يسلم ويحسن إسلامه .
ولمرداس هذا بيتان في حادث تعميره ( القرية ) التب لا نستطيع تحديد موضعها بالدقة الآن . وربما تسعفنا المصادر فيما بعد - هو وحرب بن أمية شريكه في هذه الشركة الإقتصادية المساهمة .
يقول :
إني انتخبت لها حرباً وإخوته *** إني بحبل وثيق العقد دساس
اني أقوم قبل الأمر حجته *** كيما يقال : ولي الأمر مرداس
وفي هذين البتين عدة فوائد .. منها أن مرداساً هو الذي دفع حرباً إلى العمل معه في زراعة الغيضة التي آضت مكاناً صالحاً للزراعة فسميت ( القرية ) وعرفت بهذا الإسم . ومنها أن مرداس بن ابي عامر , قد احتاط لأمر نجاح الشركة والعدل فيها فأشرك مع حرب واخوته , ولم يكتف بذالك بل أبرم بينه وبينهم عقداً ربما كان مكتوباً , ولذالك قال : انه يقوم للأمر حجته وبرهانه , قبل مباشرته , ليقال : ان ولي هذا الأمر الناجح وهذه الشركة الناجحة هو مرداس الحصيف الذي لا يمكن أن يُخدع أو يغرر به .
ولقد وجدت رواية أخر ى لهذة القصة أو الحادثة في كتاب ( شرح ديوان الخنساء - أبو العباس بن ثعلب ) , وهي :
قال : خرج ( حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ) و ( كليب بن الحارث ) أخو بني ( ظفر بن الحارث بن بهثة بن سُليم بن منصور ) و ( مرداس بن ابي عامر بن حارثة بن مجرة بن عبد عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة ) حتى هبطوا( القرية )من( صدر شوان ) وهو صدور وادي ( الجحفة ) .
قال : انما هما ( شوانان ) واديان يصبان من الحرة ( حرة بني سُليم ) في ( تهامة ) و( القرية ) بصدور شوانين . قال : بينها وبين الجحفة تهامة كلها .
قال : والجحفة ساحلية , والقرية نجدية . فاذا عين تسيل من حجاب كهف فيقع في قصباء وأثلٍ وحلفاء .
فقال حرب بن أمية : لو حرقنا هذه القصباء , وعدلنا هذا الماء إلى هذا الجناب , فإني أراه معتزلاً عن السيل , فخرج لنا فيه مغترس ومزدرع . قال كليب : إني أخاف أن تكون مسكونة , قال حرب ومرداس : لنفعلنه .
قال كليب : فإني أشهدكم أني لا أشرككم فيها , فأوريا ناراً فحرقا ثُلث الغيضة .
فزعم بعض بني سُليم أنهم نظروا الى حيات مثال المسلك , وهو الذي يُتخذ من العاج شبه السوار في اليد , يطرن منها , وسمعوا فيها أنيناً , فباتوا , فلما كان من الليل سُري على( مرداس) فُرضخ رأسه , وأصابت ( حرباً ) صرعة في الأهلة والأنصاف حتى مات , ونجا ( كليب ) .
وكانت بنت ( حرب بن أمية ) تحت ( أنس بن مرداس ) فولدت له ( عروة بن أنس ) و ( يزيد بن أنس ) فلما هلكا دثرت , أي تغيرت , ودرست آثارها , إلا أن ذاك الشجر قد كان مات حيناً , ثم قام ( كليباً ) فازدرعها واغترسها , ومات ( مرداس ) فقبر بالقرية , فقالت الخنساء ترثي مرداساً بن أبي عامر السُلمي .
فقالت الخنساء رضي الله عنها ترثي زوجها مرداس :
ألا اختار مِرداساً على الناس قاتله *** ولو عــاده كــناته وحلائله
وقلن ألا هل من شعفاءٍ ينـــاله ***وقد منع الشــفاء من هو قاتله
وقد منع الشفاء من شـــد قادراً *** وقد علقت هند بن عمرو حبائله
فلما رآه البـــــدر أظلم كاسفاً *** أرن شـــوان بُرقه فمسايله
رنيناً وما يُغني الرنين وقــد أتى *** بنعشك من فوق القرية حامله
وفضل مرداساً على الناس فضله *** وأن كل همّ همه فهو فاعله
وأن رب وادٍ يكره القــــــوم هبطه *** هبطت وماء منهلٍ أنت نازله
تركت بــه ليلاً طويلاً ومنزلاً ***تعاوى على جنب الطريق عواسله
وسبيٍ كآرام الصـــريم حويته *** خلال رجالٍ مُستكينٍ عواطله
فعدت عليه بعد بؤسى بأنعمٍ ***وكـــلهم يُثني بــه و يواصله
متى ما تُعادل ماجداً تعتدل به ***كما عدل الميزان بالكف ثاقله
المصادر :
1- بنو سُليم - لعبدالقدوس الأنصاري
2- شرح ديوان الخنساء -أبو العباس ثعلب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصة ( مزرعة القرية المشهورة ) وإدعاء كليب السُلمي لها .
كان مرداس من سادة العرب . ومن سادة سُليم وفرسانها وأثريائها . وقد اشترك مع حرب بن أمية القرشي في ( القرية ) , وهي غيضة شجر ملتف لايُرام .. قيل : إنهما مرا بها يوماً , فقال مرداس لحرب : أما ترى هذا الوضع ؟ .. قال : نعم ! .. بلى ! .. قال : نعم المُزدرع هو , فهل لك أن تكوني شريكي فيه , ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذالك ؟ قال : نعم ! .. فأضرما النار في الغيضة . فلما إستطارت النار وعلا فيها لهب , سُمع فيها أنين وضجيج كثير , ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها . ولم يلبث مرداس وحرب أن ماتا .
وينسبون موت مرداس إلى الجن – ربما لأنه هو صاحب الفكرة الذي أشار على حرب بن أمية بإزدراع الغيضة وإشعال النار فيها حتى ظهرت منها الحيات البيض وطارت هاربة منها – ودفن مرداس بن أبي عامر بالقرية التي إستصلحها وازدرعها , ثم إدعاها بعد ذالك كليب بن أبي عيهمة السُلمي ثم الظفري . وقد طالب العباس بن مرداس بحقه في القرية , وقال قصيدته النونية يُخاطب بها كليباً ويهجوه ويحذره من مغبة الظلم ..
وكان كليب السُلمي هذا قد جحد بني مرداس حصتهم من ( القرية ) التي عمرها أبوهم مرداس مع حرب بن أمية . قال عباس يُخاطب كُليباً :
أكُليب ! مالك كل يوم ظالماً *** والظلم أنكد وجهه الملعونُ
قد كان قومك يحسبونك سيداً *** وإخال أنك سيد معيون
فإذا رجعت إلى نسائك فادهن *** إن المسالم رأسه مدهون
وافعل بقومك ما أراد بوائل *** يوم الغدير سميك المطعون
وإخال أنك سوف تلقى مثلها *** في صفحتيك سنانها المسنونُ
إن ( القرية ) قد تبين أمرها *** إن كان ينفع عندك التبيينُ
حيث إنطلقت تخطها لي ظالماً *** وأبو يزيد بجوها مدفونُ
و ( أبو يزيد ) في البيت الأخير هو والد عباس بن مرداس .
وهكذا نرى عباساً يهدد كُليباً تهديداً مباشراً , مما يدل أن هذا الشعر قاله في الجاهلية قبل أن يسلم ويحسن إسلامه .
ولمرداس هذا بيتان في حادث تعميره ( القرية ) التب لا نستطيع تحديد موضعها بالدقة الآن . وربما تسعفنا المصادر فيما بعد - هو وحرب بن أمية شريكه في هذه الشركة الإقتصادية المساهمة .
يقول :
إني انتخبت لها حرباً وإخوته *** إني بحبل وثيق العقد دساس
اني أقوم قبل الأمر حجته *** كيما يقال : ولي الأمر مرداس
وفي هذين البتين عدة فوائد .. منها أن مرداساً هو الذي دفع حرباً إلى العمل معه في زراعة الغيضة التي آضت مكاناً صالحاً للزراعة فسميت ( القرية ) وعرفت بهذا الإسم . ومنها أن مرداس بن ابي عامر , قد احتاط لأمر نجاح الشركة والعدل فيها فأشرك مع حرب واخوته , ولم يكتف بذالك بل أبرم بينه وبينهم عقداً ربما كان مكتوباً , ولذالك قال : انه يقوم للأمر حجته وبرهانه , قبل مباشرته , ليقال : ان ولي هذا الأمر الناجح وهذه الشركة الناجحة هو مرداس الحصيف الذي لا يمكن أن يُخدع أو يغرر به .
ولقد وجدت رواية أخر ى لهذة القصة أو الحادثة في كتاب ( شرح ديوان الخنساء - أبو العباس بن ثعلب ) , وهي :
قال : خرج ( حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ) و ( كليب بن الحارث ) أخو بني ( ظفر بن الحارث بن بهثة بن سُليم بن منصور ) و ( مرداس بن ابي عامر بن حارثة بن مجرة بن عبد عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة ) حتى هبطوا( القرية )من( صدر شوان ) وهو صدور وادي ( الجحفة ) .
قال : انما هما ( شوانان ) واديان يصبان من الحرة ( حرة بني سُليم ) في ( تهامة ) و( القرية ) بصدور شوانين . قال : بينها وبين الجحفة تهامة كلها .
قال : والجحفة ساحلية , والقرية نجدية . فاذا عين تسيل من حجاب كهف فيقع في قصباء وأثلٍ وحلفاء .
فقال حرب بن أمية : لو حرقنا هذه القصباء , وعدلنا هذا الماء إلى هذا الجناب , فإني أراه معتزلاً عن السيل , فخرج لنا فيه مغترس ومزدرع . قال كليب : إني أخاف أن تكون مسكونة , قال حرب ومرداس : لنفعلنه .
قال كليب : فإني أشهدكم أني لا أشرككم فيها , فأوريا ناراً فحرقا ثُلث الغيضة .
فزعم بعض بني سُليم أنهم نظروا الى حيات مثال المسلك , وهو الذي يُتخذ من العاج شبه السوار في اليد , يطرن منها , وسمعوا فيها أنيناً , فباتوا , فلما كان من الليل سُري على( مرداس) فُرضخ رأسه , وأصابت ( حرباً ) صرعة في الأهلة والأنصاف حتى مات , ونجا ( كليب ) .
وكانت بنت ( حرب بن أمية ) تحت ( أنس بن مرداس ) فولدت له ( عروة بن أنس ) و ( يزيد بن أنس ) فلما هلكا دثرت , أي تغيرت , ودرست آثارها , إلا أن ذاك الشجر قد كان مات حيناً , ثم قام ( كليباً ) فازدرعها واغترسها , ومات ( مرداس ) فقبر بالقرية , فقالت الخنساء ترثي مرداساً بن أبي عامر السُلمي .
فقالت الخنساء رضي الله عنها ترثي زوجها مرداس :
ألا اختار مِرداساً على الناس قاتله *** ولو عــاده كــناته وحلائله
وقلن ألا هل من شعفاءٍ ينـــاله ***وقد منع الشــفاء من هو قاتله
وقد منع الشفاء من شـــد قادراً *** وقد علقت هند بن عمرو حبائله
فلما رآه البـــــدر أظلم كاسفاً *** أرن شـــوان بُرقه فمسايله
رنيناً وما يُغني الرنين وقــد أتى *** بنعشك من فوق القرية حامله
وفضل مرداساً على الناس فضله *** وأن كل همّ همه فهو فاعله
وأن رب وادٍ يكره القــــــوم هبطه *** هبطت وماء منهلٍ أنت نازله
تركت بــه ليلاً طويلاً ومنزلاً ***تعاوى على جنب الطريق عواسله
وسبيٍ كآرام الصـــريم حويته *** خلال رجالٍ مُستكينٍ عواطله
فعدت عليه بعد بؤسى بأنعمٍ ***وكـــلهم يُثني بــه و يواصله
متى ما تُعادل ماجداً تعتدل به ***كما عدل الميزان بالكف ثاقله
المصادر :
1- بنو سُليم - لعبدالقدوس الأنصاري
2- شرح ديوان الخنساء -أبو العباس ثعلب