فارس السلمي
12-03-2007, 12:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
نقوش على ذاكرة الماضي
محمد الجبرتي … وتتجدّد الذكريات !!
قد ينسى التاريخ أناسًا كثيرين ولكنه في ذات الوقت يحتفظ بغيرهم… وقد تغرب الشمس ولكن أثرها يبقى فيما سطعت عليه … وقد يغيب البدر ولكنّ من رآه يبقى يتذكره شوقًا إليه .
ذلكم هو الشاعر الكبير ( محمد الجبرتي ) رحمه الله … حفظه التاريخ .. وأثّر في أقرانه الشعراء ومتابعيه … ولا زال الجميع يتشوّق لسماع أو قراءة شيءٍ من إبداعاته .
دعونا أولاً نتعرّف على شاعرنا عن قرب … قبل أن نحلّق في شعره فننسى كل شيء .
اسمه ومولده : ـ
هو محمد بن شريّف بن عبيد الله الجبرتي السلمي المولود بقرية الظبية من ديار بني سليم وهي القرية التي تقع على طريق مكة المدينة السريع .
نشأته : ـ
نشأ في أحضان والديه حتى انتقلا إلى رحمة الله ـ إن شاء الله ـ وهو في الرابعة عشر من عمره ، ليتحمل بعدهما المسؤولية في ظروف صعبة … رعى الأغنام فترة من الزمن حتى بدأت بوادر الشعر تظهر عليه شيئًا فشيئًا ثم طغى عليه الشعر بعد ذلك ؛ ليتفرّغ له . وقد عاش متنقلاً كعادة أهل البادية إلى أن استقر به المقام في الجموم .
تأثرت بداياته الشعرية كثيرًا بما كان بين القبائل آنذاك من خلافات أحيانًا ومناسبات أحيانًا أخر … وكان شعره ومعانيه يتدفق بالحيوية والنشاط والجدة والابتكار ؛ فجمع بين جديد المعاني وغريب ( الطروق ) .
بدأت شهرت ـ رحمه الله ـ في الانتشار حتى بلغت القبائل المجاورة ومنها قبيلة حرب المعروفة والتي التقى الجبرتي بكثير من شعرائها ، ثم شارك آنذاك في برنامج البادية الذي كان يقدمه مطلق الذيابي ثم محمد بن شلاح المطيري ؛ ومن خلاله ازدادت شهرته حتى بلغت أرجاء المملكة والخليج .
وحينما سكن الجبرتي الجموم التقى بعدد من شعراء المناطق المجاورة في مكة والطائف فقابل كلاً من عبد الله المسعودي ومستور العصيمي وهلال السيالي وابن تويم وخلف بن هذال وغيرهم الكثير والكثير .
كيف بدأ الشعر : ـ
يقال إن بداياته في الشعر كانت عن طريق الرؤى المنامية أو الأحلام ، حيث يُروى أنه رأى في إحدى الليالي وهو نائم أنه قدم على ( ملعبة ) وحينما توسط الصفين سكت الجميع .. فسألهم عن سبب ذلك فأخبروه أن الشاعر الواقف قال بيتًا عجز الشعراء عن الرد عليه… فنظر إلى الشاعر وإذا به رجل طويل جدًا فقال له الجبرتي هات فقال : ـ
سلام رديــــــــةٍ تضفي من ابن لويّ *** رديّةٍ فتحت بيــــــــبان بيبانها
الليلة الحق يمشي فوق ميّت وحيّ *** وانته سواة الرعيّة عند رعيانها
فرد عليه الجبرتي بما يلي : ـ
يا مرحبا وأنت ما تخلق من الناس شيّ *** ولا تعلم النفس وش تقرير ميزانها
الليلة الحبل من فوقك ثلاثين طيّ *** مطوي كما الخيمة اللي فوق عمدانها
وبعد هذه الرؤيا بأيام بدأ يقول أبياتًا قليلة ثم اشترك في المحاورات .
مميزات شعره : ـ
إن الجميل في الجبرتي أنه كان ممن يؤمن بالقول المشهور (( لكل مقام مقال )) فشعره في البادية يتناسب مع حياة أهلها وألفاظهم وكذلك في المدن ، و يختار ألفاظه بعناية فائقة ، وهو شاعر مواكب لكل ما يستجد في عصره ، كثير المعاني إذ لا تكاد محاورة من محاوراته تخلو من معنى جديد . سريع البديهة كثير الفكاهة والطرفة التي لا تخرج عن المعنى بل تأتي خادمة ومسايرة له … ومن الطرف الكثيرة في شعره والتي تخدم معناه قوله لـ ( جار الله ) : ـ
فلوسك من بلد مكة ومقضاتك من اليابان *** ومفتاحك من الطايف وقفلك من بلد ثاني
وقوله مرة ً للمسعودي : ــ
ألا ياورع يا مضرور لا تنفخ على الدكتور *** تريّح للدوى مجبور بعد اتجيه متعنّي
بيت سار مسير الشمس : ــ
لعل القراء الأعزاء يتذكرون جيدًا هذا البيت : ــ
سلام من الجبرتي لا تقولون الجبرتي غاب *** حضر واللي عقد روس الحبال يحلّها حلّي
أعيقد أن الجبرتي لا يذكر غالبًا إلا ويذكر معه هذا البيت الذي أصبح علامة مسجلة باسم هذا الشاعر ، بل أصبح مثلاً فيما بعد فنسمع دائمًا " اللي عقد روس الحبال يحلّها " … ولكن ما قصة هذا البيت ؟ وهل يتبعه أبيات أم أنه بيت فرد ؟ !!
يقال إن الجبرتي حضر حفلا أقيم في جدة واستمر ثلاثة أيام ، وقد حضر الليلة الأولى ولم يعجبه حال ( الملعبة ) لقلة الصفوف ، ثم عاد الليلة الثانية ولم يكن الحال بأفضل من سابقه ؛ لذلك انتشر بين الشعراء والجماهير أن الجبرتي خائف من المواجهة مع الشعراء … فبلغ ذلك الجبرتي الذي أصر في الليلة الثالثة على المشاركة ؛ لدفع ذلك الاتهام وعندما توسط الصفين أنشد قائلاً : ـ
سلام من الجبرتي لا تقولون الجبرتي غاب *** حضر واللي عقد روس الحبال يحلها حلي
إذا مني حضرت اللعب فالواجب درقت الباب *** عصام اللعب ليّه وارطني يا ترك عصملّي
ويقال إن شاعرًا رد عليه بقوله : ــ
هلا يا مرحبا بك يالجبرتي جيد الأنساب *** أنا ما قلت يوم إنّك سريت إنه من الذلّي
الشاعر محمد الجبرتي وفنون أخرى : ـ
لم تظهر براعة الجبرتي في المحاورة فقط ، بل شارك وأبدع في الكثير من فنون الشعر التي كانت معروفة في عصره آنذاك … فقد اشتهرت عدة ( مجالسيات ) تلك الأيام ؛ لأنها للجبرتي وتتميز بالقوة والروعة الممزوجة بالطرافة والفكاهة … فهنالك مجالسية البعوض والذئب والراديو والتلفزيون والسيل وغيرها .. وهذه بعض أبياته التي قالها يصوّر معاناته مع البعوض ليلة من الليالي : ـ
البارح الناموس جرّد عليّه** جاني بقواته وقوم لظيّه**وأخذت لين أصبحت تومي يديّه ** وأصبحت من فعل النواميس سهران
وقلت يالناموس تراني أشكيك*على الحكومة والحكومة تجازيك *وتجيب لك سيّار مشحون سفنيك*وأنته ضعيف الجسم يقتلك دخّان
واشتهر الجبرتي أيضًا في مجال ( الحداية أو الردح ) وهي مجموعة من الأبيات التي تتفق في أغلب قوافيها وتقال في المناسبات حين تقدم قبيلة على أخرى لحضور زواج أو غيره .. وتكون على شكل سلام أو ترحيب مشتملا على المدح ومناقشة بعض القضايا بين القبيلتين … يقول في إحدى المناسبات لدى قبيلة ( البقلة ) من سليم : ـ
سلام يا أهل الصوب واهل النوب وأصحاب الحميّة *** يا ربعنا السلمان من درب العويدي للظبيّة
أنتم جماعتنا إذا جات العـــــــــلوم اللي قصيّة *** والباب له مفـــــتاح والمفتاح من صمّ الحديد
أعلام سدّ أعلام وأنتم عـــــــلمونا بالحقيقة *** حنا رجال ولا نبا بيناتنا نصــــــــــــبة وضيقة
وأنتم تعرفون المرض فالراس واعروق الشقيقة *** أما تداوون المرض وإلا ابعدوا عنا بعيد
الجبرتي والمحاورة ..
لعل المحاورة هي الفن الذي برز فيه الجبرتي بشكل كبير جدًا ، فقد التقى بعمالقة الفن آنذاك بدءًا بشعراء قبيلته ، ومرورًا بشعراء مكة ، وانتهاءًا بشعراء المملكة والخليج عمومًا … وكما قلنا سابقا فالجبرتي يتميز بسرعة البديهة وغزارة المعنى المغلف في كثير من الأحيان بالفكاهة والطرافة … وإليكم مقتطفات من بعض محاوراته : ـ
أولاً : ـ مع الشاعر ( عوض الله أبو مشعاب ) : ـ
هذه المحاورة تم تسجيلها لبرنامج البادية .. وهي دعوة من الجبرتي لأبي مشعاب كي يرافقه في رحلة في أحضان البادية ؛ للتعرف على خفاياها وأسرارها : ـ
الجبرتي : ـ
ليت عوض الله يخاويني نبا طرقة طويلة *** في ديار البدو لين يشوف ما شافت عيونه
في ديار البدو حيث البدو كسابة جميلة *** ناكل اللي ياكلون ونشرب اللي يشربونه
أبو مشعاب : ـ
كيف ما أخاويك وأنته من مقاليط القبيلة *** الجبرتي يعـــــرف العربان وهمه يعرفونه
يا عميل الخير طرقتنا ليا رحنــــــا ثقيلة *** قصدنا المرباع والمرباع قمت اتصيح دونه
فأنت تلاحظ أخي القاريء كيف دخل الشاعر في غرضه مباشرة واستخدم كلمات من صميم البادية ( يخاويني أي يرافقني .. طرقة أي رحلة .. كسابة أي أصحاب ) ثم إن الشاعر بيّن السبب الذي من أجله يريد الذهاب إلى البادية فالبدو أهل وفاء وكرم ولهم فضل كبير .
ثانيًا : ـ مع الشاعر عبد الله المسعودي : ـ
محاورات الجبرتي مع المسعودي كثيرة وكثيرة جدًا ، وجميعها تتميز بالقوة والرمزية وخفاء المعنى المراد ، ولا نستطيع معرفة مرادهما إلا إذا كان هنالك دليل على المعنى … وأنا هنا لن أعدد جميع تلك المحاورات ولكني سأختار إحداها ؛ لأننا نستطيع معرفة هدف الشاعرين …فالمحاورة القادمة كان الغرض منها تسجيل حلقة لبرنامج البادية ولكن المسعودي تأخر في الوصول إلى الجبرتي فاستغل الأخير الفرصة ودار هذا النقاش : ـ
الجبرتي : ـ
مرحبا بالصاحب اللي مثل برّاق ٍ يلوح *** عهدنا به في زمان العام يوم البرق لاح
جيتنا بالقايلة ما جيتنا وقت الصبــــوح *** الغنم قفى لبنها والغدا من صبح راح
المسعودي : ـ
البقا بالصاحب اللي حيث ما يرزق طموح *** نوب يرزق بالمطر ومرار يرزق بالرياح
قوم شب النار تحت القدر حتى إنه يفوح *** الغنم تسرح مع الراعي وتضوي فالمراح
فانظر إلى الصورة الجمالية في بيت الجبرتي الأول حيث إنه شبه المسعودي بالبرق ووجه الشبه في نظر شاعرنا هو سرعة المرور ، وربما قلة رؤية كل منهما … والدليل ( عهنا به في زمان العام ) … ثم انظر إلى التقديم الرائع من الجبرتي والكناية حيث إنه لم يقل لضيفه لن أكرمك ولكنه قدّم كلامًا يدل على سوء اختيار الزائر لوقت المجيء … فما نكرمك به من لحم أو لبن ذهب مع الراعي .. وهذا ليس من باب البخل فليست هذه عادة العرب ولكنها من باب المداعبة وتنبيه الزائر لحسن اختيار وقت الزيارة …فالجبرتي قال بعد ذلك : ـ
إن لزمك الليل عندي بذبح الكبش النطوح *** بعدما جاني صحيبي طاح راس الكبش طاح
ثالثًا : ــ مع الشاعر مطلق الثبيتي : ـ
كانت محاورات الجبرتي مع مطلق ذات مذاق خاص … غزارة معنى ، وقوة سبك الأبيات ، واختيار الكلمات بالإضافة إلى المنافسة الشريفة بينهما … وهذه الأبيات التي أخترتها لكم تدل فعلاً على قوة التنافس بينهما : ـ
الجبرتي : ـ
أنته سواة الهوري اللي يدّرج بين البحور *** لو كان ما يحمل عصا دبوس من دبوسها
حنا ندفن فالجنايز وأنت تحفر فالقبــــور *** ندفن كراعين الجنايز وأنت تبحث روسها
مطلق :ــ
أنته حسودي والحسودي لا يحج ولا يزور *** واليا شرى حبة شعيرة جاه منها سوسها
أنتم بليتونا ضحى يا بدو ياقوم الخـــــــدور *** والبدو نعرف ماشيتها من وجيه اعسوسها
فلاشك ــ أخي القارئ ــ أن الشاعرين أكبر من أن يكون كل واحد منهما يشتم صاحبه ، ولكنهما سائران على معنى من بداية الأبيات يجب إكماله بما سبق ، ولكن انظر إلى بيت الجبرتي الثاني وتخيّل المنظر … رجال يدفنون الموتى ، وآخر يحفر القبور ويقوم بالنبش ، وإذا دفنت أقدام الميت قام بنبش رأسه … لن أزيد كلاماً على مجرد التخيل فالمعنى كما يبدو أكبر من أن نقوم نحن بنبشه وحفر قبره ، فلنتركه مع جنازة الجبرتي والثبيتي .
رابعًأ : ــ مع الشاعر مستور العصيمي : ــ
كثيرة هي تلك المحاورات بين هذين العملاقين وكلها تفيض قوة وجزالة … وإليكم هذه الأبيات : ـ
الجبرتي : ـ
سافري يا بوابير البحر والبرور *** يالله إنك تعين اللي يمشونها
الشحم فالمكينة واللحم فالقدور *** والمكينة لهلها اللي يجرونها
مستور : ـ
فاتك الوقت واثرك يا بنادم غيور *** يا مغــــني بيوتك وين مضـــمونها
دامت إنك معنّى قوم وابن القصور *** والحصون الرزينة عزّز احصونها
نجد في بيت الجبرتي الأول ما يسمّى ( التجسيد ) وهو بث الروح فيما لا روح له .. فالجبرتي يخاطب ( البوابير ) أي السفن الكبيرة ولا شك أنها ترمز إلى شيء معين ويطالبها بالرحيل مع الدعاء لمن يتولون قيادتها .. ثمّ نجد أنفسنا عاجزين أمام البيت الثاني ولا يسعنا إلا ترديده ( الشحم فالمكينة واللحم فالقدور والمكينة لهلها اللي يجرونها …!!! )
يتبع
نقوش على ذاكرة الماضي
محمد الجبرتي … وتتجدّد الذكريات !!
قد ينسى التاريخ أناسًا كثيرين ولكنه في ذات الوقت يحتفظ بغيرهم… وقد تغرب الشمس ولكن أثرها يبقى فيما سطعت عليه … وقد يغيب البدر ولكنّ من رآه يبقى يتذكره شوقًا إليه .
ذلكم هو الشاعر الكبير ( محمد الجبرتي ) رحمه الله … حفظه التاريخ .. وأثّر في أقرانه الشعراء ومتابعيه … ولا زال الجميع يتشوّق لسماع أو قراءة شيءٍ من إبداعاته .
دعونا أولاً نتعرّف على شاعرنا عن قرب … قبل أن نحلّق في شعره فننسى كل شيء .
اسمه ومولده : ـ
هو محمد بن شريّف بن عبيد الله الجبرتي السلمي المولود بقرية الظبية من ديار بني سليم وهي القرية التي تقع على طريق مكة المدينة السريع .
نشأته : ـ
نشأ في أحضان والديه حتى انتقلا إلى رحمة الله ـ إن شاء الله ـ وهو في الرابعة عشر من عمره ، ليتحمل بعدهما المسؤولية في ظروف صعبة … رعى الأغنام فترة من الزمن حتى بدأت بوادر الشعر تظهر عليه شيئًا فشيئًا ثم طغى عليه الشعر بعد ذلك ؛ ليتفرّغ له . وقد عاش متنقلاً كعادة أهل البادية إلى أن استقر به المقام في الجموم .
تأثرت بداياته الشعرية كثيرًا بما كان بين القبائل آنذاك من خلافات أحيانًا ومناسبات أحيانًا أخر … وكان شعره ومعانيه يتدفق بالحيوية والنشاط والجدة والابتكار ؛ فجمع بين جديد المعاني وغريب ( الطروق ) .
بدأت شهرت ـ رحمه الله ـ في الانتشار حتى بلغت القبائل المجاورة ومنها قبيلة حرب المعروفة والتي التقى الجبرتي بكثير من شعرائها ، ثم شارك آنذاك في برنامج البادية الذي كان يقدمه مطلق الذيابي ثم محمد بن شلاح المطيري ؛ ومن خلاله ازدادت شهرته حتى بلغت أرجاء المملكة والخليج .
وحينما سكن الجبرتي الجموم التقى بعدد من شعراء المناطق المجاورة في مكة والطائف فقابل كلاً من عبد الله المسعودي ومستور العصيمي وهلال السيالي وابن تويم وخلف بن هذال وغيرهم الكثير والكثير .
كيف بدأ الشعر : ـ
يقال إن بداياته في الشعر كانت عن طريق الرؤى المنامية أو الأحلام ، حيث يُروى أنه رأى في إحدى الليالي وهو نائم أنه قدم على ( ملعبة ) وحينما توسط الصفين سكت الجميع .. فسألهم عن سبب ذلك فأخبروه أن الشاعر الواقف قال بيتًا عجز الشعراء عن الرد عليه… فنظر إلى الشاعر وإذا به رجل طويل جدًا فقال له الجبرتي هات فقال : ـ
سلام رديــــــــةٍ تضفي من ابن لويّ *** رديّةٍ فتحت بيــــــــبان بيبانها
الليلة الحق يمشي فوق ميّت وحيّ *** وانته سواة الرعيّة عند رعيانها
فرد عليه الجبرتي بما يلي : ـ
يا مرحبا وأنت ما تخلق من الناس شيّ *** ولا تعلم النفس وش تقرير ميزانها
الليلة الحبل من فوقك ثلاثين طيّ *** مطوي كما الخيمة اللي فوق عمدانها
وبعد هذه الرؤيا بأيام بدأ يقول أبياتًا قليلة ثم اشترك في المحاورات .
مميزات شعره : ـ
إن الجميل في الجبرتي أنه كان ممن يؤمن بالقول المشهور (( لكل مقام مقال )) فشعره في البادية يتناسب مع حياة أهلها وألفاظهم وكذلك في المدن ، و يختار ألفاظه بعناية فائقة ، وهو شاعر مواكب لكل ما يستجد في عصره ، كثير المعاني إذ لا تكاد محاورة من محاوراته تخلو من معنى جديد . سريع البديهة كثير الفكاهة والطرفة التي لا تخرج عن المعنى بل تأتي خادمة ومسايرة له … ومن الطرف الكثيرة في شعره والتي تخدم معناه قوله لـ ( جار الله ) : ـ
فلوسك من بلد مكة ومقضاتك من اليابان *** ومفتاحك من الطايف وقفلك من بلد ثاني
وقوله مرة ً للمسعودي : ــ
ألا ياورع يا مضرور لا تنفخ على الدكتور *** تريّح للدوى مجبور بعد اتجيه متعنّي
بيت سار مسير الشمس : ــ
لعل القراء الأعزاء يتذكرون جيدًا هذا البيت : ــ
سلام من الجبرتي لا تقولون الجبرتي غاب *** حضر واللي عقد روس الحبال يحلّها حلّي
أعيقد أن الجبرتي لا يذكر غالبًا إلا ويذكر معه هذا البيت الذي أصبح علامة مسجلة باسم هذا الشاعر ، بل أصبح مثلاً فيما بعد فنسمع دائمًا " اللي عقد روس الحبال يحلّها " … ولكن ما قصة هذا البيت ؟ وهل يتبعه أبيات أم أنه بيت فرد ؟ !!
يقال إن الجبرتي حضر حفلا أقيم في جدة واستمر ثلاثة أيام ، وقد حضر الليلة الأولى ولم يعجبه حال ( الملعبة ) لقلة الصفوف ، ثم عاد الليلة الثانية ولم يكن الحال بأفضل من سابقه ؛ لذلك انتشر بين الشعراء والجماهير أن الجبرتي خائف من المواجهة مع الشعراء … فبلغ ذلك الجبرتي الذي أصر في الليلة الثالثة على المشاركة ؛ لدفع ذلك الاتهام وعندما توسط الصفين أنشد قائلاً : ـ
سلام من الجبرتي لا تقولون الجبرتي غاب *** حضر واللي عقد روس الحبال يحلها حلي
إذا مني حضرت اللعب فالواجب درقت الباب *** عصام اللعب ليّه وارطني يا ترك عصملّي
ويقال إن شاعرًا رد عليه بقوله : ــ
هلا يا مرحبا بك يالجبرتي جيد الأنساب *** أنا ما قلت يوم إنّك سريت إنه من الذلّي
الشاعر محمد الجبرتي وفنون أخرى : ـ
لم تظهر براعة الجبرتي في المحاورة فقط ، بل شارك وأبدع في الكثير من فنون الشعر التي كانت معروفة في عصره آنذاك … فقد اشتهرت عدة ( مجالسيات ) تلك الأيام ؛ لأنها للجبرتي وتتميز بالقوة والروعة الممزوجة بالطرافة والفكاهة … فهنالك مجالسية البعوض والذئب والراديو والتلفزيون والسيل وغيرها .. وهذه بعض أبياته التي قالها يصوّر معاناته مع البعوض ليلة من الليالي : ـ
البارح الناموس جرّد عليّه** جاني بقواته وقوم لظيّه**وأخذت لين أصبحت تومي يديّه ** وأصبحت من فعل النواميس سهران
وقلت يالناموس تراني أشكيك*على الحكومة والحكومة تجازيك *وتجيب لك سيّار مشحون سفنيك*وأنته ضعيف الجسم يقتلك دخّان
واشتهر الجبرتي أيضًا في مجال ( الحداية أو الردح ) وهي مجموعة من الأبيات التي تتفق في أغلب قوافيها وتقال في المناسبات حين تقدم قبيلة على أخرى لحضور زواج أو غيره .. وتكون على شكل سلام أو ترحيب مشتملا على المدح ومناقشة بعض القضايا بين القبيلتين … يقول في إحدى المناسبات لدى قبيلة ( البقلة ) من سليم : ـ
سلام يا أهل الصوب واهل النوب وأصحاب الحميّة *** يا ربعنا السلمان من درب العويدي للظبيّة
أنتم جماعتنا إذا جات العـــــــــلوم اللي قصيّة *** والباب له مفـــــتاح والمفتاح من صمّ الحديد
أعلام سدّ أعلام وأنتم عـــــــلمونا بالحقيقة *** حنا رجال ولا نبا بيناتنا نصــــــــــــبة وضيقة
وأنتم تعرفون المرض فالراس واعروق الشقيقة *** أما تداوون المرض وإلا ابعدوا عنا بعيد
الجبرتي والمحاورة ..
لعل المحاورة هي الفن الذي برز فيه الجبرتي بشكل كبير جدًا ، فقد التقى بعمالقة الفن آنذاك بدءًا بشعراء قبيلته ، ومرورًا بشعراء مكة ، وانتهاءًا بشعراء المملكة والخليج عمومًا … وكما قلنا سابقا فالجبرتي يتميز بسرعة البديهة وغزارة المعنى المغلف في كثير من الأحيان بالفكاهة والطرافة … وإليكم مقتطفات من بعض محاوراته : ـ
أولاً : ـ مع الشاعر ( عوض الله أبو مشعاب ) : ـ
هذه المحاورة تم تسجيلها لبرنامج البادية .. وهي دعوة من الجبرتي لأبي مشعاب كي يرافقه في رحلة في أحضان البادية ؛ للتعرف على خفاياها وأسرارها : ـ
الجبرتي : ـ
ليت عوض الله يخاويني نبا طرقة طويلة *** في ديار البدو لين يشوف ما شافت عيونه
في ديار البدو حيث البدو كسابة جميلة *** ناكل اللي ياكلون ونشرب اللي يشربونه
أبو مشعاب : ـ
كيف ما أخاويك وأنته من مقاليط القبيلة *** الجبرتي يعـــــرف العربان وهمه يعرفونه
يا عميل الخير طرقتنا ليا رحنــــــا ثقيلة *** قصدنا المرباع والمرباع قمت اتصيح دونه
فأنت تلاحظ أخي القاريء كيف دخل الشاعر في غرضه مباشرة واستخدم كلمات من صميم البادية ( يخاويني أي يرافقني .. طرقة أي رحلة .. كسابة أي أصحاب ) ثم إن الشاعر بيّن السبب الذي من أجله يريد الذهاب إلى البادية فالبدو أهل وفاء وكرم ولهم فضل كبير .
ثانيًا : ـ مع الشاعر عبد الله المسعودي : ـ
محاورات الجبرتي مع المسعودي كثيرة وكثيرة جدًا ، وجميعها تتميز بالقوة والرمزية وخفاء المعنى المراد ، ولا نستطيع معرفة مرادهما إلا إذا كان هنالك دليل على المعنى … وأنا هنا لن أعدد جميع تلك المحاورات ولكني سأختار إحداها ؛ لأننا نستطيع معرفة هدف الشاعرين …فالمحاورة القادمة كان الغرض منها تسجيل حلقة لبرنامج البادية ولكن المسعودي تأخر في الوصول إلى الجبرتي فاستغل الأخير الفرصة ودار هذا النقاش : ـ
الجبرتي : ـ
مرحبا بالصاحب اللي مثل برّاق ٍ يلوح *** عهدنا به في زمان العام يوم البرق لاح
جيتنا بالقايلة ما جيتنا وقت الصبــــوح *** الغنم قفى لبنها والغدا من صبح راح
المسعودي : ـ
البقا بالصاحب اللي حيث ما يرزق طموح *** نوب يرزق بالمطر ومرار يرزق بالرياح
قوم شب النار تحت القدر حتى إنه يفوح *** الغنم تسرح مع الراعي وتضوي فالمراح
فانظر إلى الصورة الجمالية في بيت الجبرتي الأول حيث إنه شبه المسعودي بالبرق ووجه الشبه في نظر شاعرنا هو سرعة المرور ، وربما قلة رؤية كل منهما … والدليل ( عهنا به في زمان العام ) … ثم انظر إلى التقديم الرائع من الجبرتي والكناية حيث إنه لم يقل لضيفه لن أكرمك ولكنه قدّم كلامًا يدل على سوء اختيار الزائر لوقت المجيء … فما نكرمك به من لحم أو لبن ذهب مع الراعي .. وهذا ليس من باب البخل فليست هذه عادة العرب ولكنها من باب المداعبة وتنبيه الزائر لحسن اختيار وقت الزيارة …فالجبرتي قال بعد ذلك : ـ
إن لزمك الليل عندي بذبح الكبش النطوح *** بعدما جاني صحيبي طاح راس الكبش طاح
ثالثًا : ــ مع الشاعر مطلق الثبيتي : ـ
كانت محاورات الجبرتي مع مطلق ذات مذاق خاص … غزارة معنى ، وقوة سبك الأبيات ، واختيار الكلمات بالإضافة إلى المنافسة الشريفة بينهما … وهذه الأبيات التي أخترتها لكم تدل فعلاً على قوة التنافس بينهما : ـ
الجبرتي : ـ
أنته سواة الهوري اللي يدّرج بين البحور *** لو كان ما يحمل عصا دبوس من دبوسها
حنا ندفن فالجنايز وأنت تحفر فالقبــــور *** ندفن كراعين الجنايز وأنت تبحث روسها
مطلق :ــ
أنته حسودي والحسودي لا يحج ولا يزور *** واليا شرى حبة شعيرة جاه منها سوسها
أنتم بليتونا ضحى يا بدو ياقوم الخـــــــدور *** والبدو نعرف ماشيتها من وجيه اعسوسها
فلاشك ــ أخي القارئ ــ أن الشاعرين أكبر من أن يكون كل واحد منهما يشتم صاحبه ، ولكنهما سائران على معنى من بداية الأبيات يجب إكماله بما سبق ، ولكن انظر إلى بيت الجبرتي الثاني وتخيّل المنظر … رجال يدفنون الموتى ، وآخر يحفر القبور ويقوم بالنبش ، وإذا دفنت أقدام الميت قام بنبش رأسه … لن أزيد كلاماً على مجرد التخيل فالمعنى كما يبدو أكبر من أن نقوم نحن بنبشه وحفر قبره ، فلنتركه مع جنازة الجبرتي والثبيتي .
رابعًأ : ــ مع الشاعر مستور العصيمي : ــ
كثيرة هي تلك المحاورات بين هذين العملاقين وكلها تفيض قوة وجزالة … وإليكم هذه الأبيات : ـ
الجبرتي : ـ
سافري يا بوابير البحر والبرور *** يالله إنك تعين اللي يمشونها
الشحم فالمكينة واللحم فالقدور *** والمكينة لهلها اللي يجرونها
مستور : ـ
فاتك الوقت واثرك يا بنادم غيور *** يا مغــــني بيوتك وين مضـــمونها
دامت إنك معنّى قوم وابن القصور *** والحصون الرزينة عزّز احصونها
نجد في بيت الجبرتي الأول ما يسمّى ( التجسيد ) وهو بث الروح فيما لا روح له .. فالجبرتي يخاطب ( البوابير ) أي السفن الكبيرة ولا شك أنها ترمز إلى شيء معين ويطالبها بالرحيل مع الدعاء لمن يتولون قيادتها .. ثمّ نجد أنفسنا عاجزين أمام البيت الثاني ولا يسعنا إلا ترديده ( الشحم فالمكينة واللحم فالقدور والمكينة لهلها اللي يجرونها …!!! )
يتبع