وصل الله العالي السلمي
09-15-2010, 08:55 PM
التغلب على الحيل والحواجز النفسية (2)
[Only Registered Users Can See Links]
د. محمد فتحي
كثيرًا ما يتذرّع الإنسان بالحيل والحواجز النفسيّة، ويلجأ إلى الدفاعات النفسية إذا لم يوفق في حل مشكلاته؛ للتقليل من الصراعات في داخله، وأيضًا لحماية ذاته من التهديد، لعجزه عن إرضاء دوافعه بطريقة سوية واقعية لأسباب كثيرة، كأن تكون المشكلة فوق احتماله، أو تكون نتيجة دوافع لا شعورية لا يعرف مصدرها، أو تكون ناتجة عن ضعف أو قصور في تكوينه النفسي.
هذه الحيل أو الدفاعات تحقق لك أيها الإنسان التخلص من القلق والتوتر الناتج عن عدم حل مشكلاتك، ولكنها تصبح ضارة وخطرة عندما تعمي الشخص عن رؤية عيوبه ومشاكله الحقيقية ولا تعينه على مواجهة المشكلة بصورة واقعية.
أشياء لا شعورية يلجأ إليها الفرد لتبرير بعض السلوكيات التي قام بها ليطمْئن نفسه، ولكي يحتفظ بمقدار أكبر من الثقة الزائفة في نفسه أيضًا، يكذب على نفسه ليوهمها بسلوكه الصائب والسديد مع قناعته الداخلية بأنه خطأ.
ومن أهم هذه الحيل والحواجز والدفاعات وخداع النفس:
• التبرير: يعني تفسير السلوك الخاطئ بأسباب منطقية، فإذا ما تعثر الفرد في أمر من الأمور تجده يبرر هذا التعثر بمسوغات عقلية يحاول من خلالها تبرير عثرته وتسويغ أفعاله، وهو بذلك السلوك يخفي الأسباب الحقيقية، وغالبًا ما تكون أسبابه التي يعتمد عليها في تبريراته غير مقنعة وغير متناسقة، فالطالب الذي يرسب في الامتحان يبرر الرسوب بصعوبة الأسئلة أو إصابته بمرض، والعانس التي لا تجد زوجًا تؤكد على أنها لا ترغب في الزواج لأن الرجال جميعهم خونة، والموظف الذي تم فصله من الوظيفة يؤكد أنه ارتاح من هم المدير ووقاحته وعدم فهمه الصحيح للعمل، والضابط الذي يقسو على المتهمين يختلق عيوبًا تبرر سلوكه نحوهم.
التبرير هنا حيلة دفاعية ضد اتهام الذات والإحساس بالذنب بعد وقوع الحادث، وتحرم صاحبه من التبصر بأفعاله والتحكم فيها ومراجعة أخطائه.
• الإسقاط: وهو أن ينسب الفرد ما في نفسه من عيوب إلى الآخرين، فصفاتٌ غير مقبولة موجودة لديَّ مثل الغيرة والحسد والبغض أقوم بنسبها إلى الغير، بحيث تبدو تصرفاتي أنا الخاطئة مقبولة لدي أنا، فالفرد الذي يغار من نجاح الآخرين يدافع عن نفسه بأن الآخرين يغارون منه ويكيدون له ويكرهونه بحيث يوقعونه في المطبات، أو أنهم يخدعونه فيكيدون له عند المدير مع أنهم في الواقع لا يكترثون لوجوده.
• أحلام اليقظة: أي اللجوء إلى عالم الحلم والخيال بعيدًا عن الواقع، كحل سحري للهروب من الواقع، يلجأ إليه الفرد لكي يخدع نفسه فتستريح بذلك نفسه المضطربة والمكبوتة، فهو يقضي ساعات يحلم بها ويبعد عن الواقع المرير الذي يعيش فيه ويسبح بعيدًا في أحلامه التي يعتبرها حلاًّ سريعًا لمشاكله، والغالب من الناس يقضون ساعات وساعات في أحلام اليقظة تذهب بها أفكارهم بعيدًا عن الواقع لكي يحققوا في أحلامهم ما عجزوا عن عمله في واقعهم.
إغراق في الخيال يجعل صاحبه يتقوقع في أوهام، بحيث يصبح هذا التقوقع بمثابة عالم متكامل يعيش فيه ويجتر الأوهام، ويلوذ بهذا النسيج المتهالك من أفكار لا علاقة لها بعالم الواقع.
• الإزاحة: أي إعادة توجيه الانفعالات المحبوسة نحو أشخاص غير الأشخاص الأصلية، هذه الحيلة تجعل صاحبها يضع أهدافًا محل أهداف أخرى، فمن الممكن أن تتحول مشاعر الكره عند فرد إلى خليط من المشاعر نجده يزيحها على الآخرين، مثلاً: موظف يزيح مشكلاته وشعوره العدواني على الجمهور فيعطل أعمالهم ويقسو في معاملته لهم، وتكون هذه الإزاحة بمثابة الشعور العدواني الكامل الذي يريد أن يزيحه على الجمهور دون أن يتعرف على الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذه التصرفات، وقد يصل الأمر بمثل هذا الشخص إلى أن يعمم سلوك العدوان حتى يصبح السمة الغالبة على تصرفاته، وأيضًا مثل موظف فاشل في عمله يتعلل بأن أهل بيته هم سبب كل ما يحدث له وقد يعتدي عليهم، حيث إن طلبات أهل بيته المتكررة تؤدي إلى فشله في عمله (وهذا غير صحيح).
• التقمص (التوحد): هو جمع الفرد واستعارته إلى نفسه ما في غيره من صفات مرغوبة ليصل إلى النموذج الذي ينال إعجابه، وهي حيلة نفسية جيدة إن تم استثمارها بإيجابية، كأن يتقمص الفرد شخصية أبيه المكافح الناجح أو شخص به مميزات يرى فيه حكمة وإرشادًا، وقد تكون حيلة سلبية إذا ما تم تقمص شخصية متطرفة في العدوان أو الإفراط في استخدام القوة الغير مبررة.
• النكوص: وهو العودة والتقهقر إلى مستوى غير ناضج من السلوك نتيجة عدم القدرة على التلاؤم مع الظروف المحيطة أو ضغوط الحياة وما يصاحبها من مواقف تحتاج إلى المواجهة.
ماذا يحدث عندما يشعر فرد بفشله.. يثور ويغضب تصرف أقرب إلى تصرف الأطفال.
ماذا يحدث عندما لا يحقق فرد ما يرغبه أو يأمل فيه يبكي ويضرب الأرض بقدميه، يسعى لتفريغ طاقاته وينفس عن هموم متراكمة تسبب له توترًا أو قلقًا.. هنا قد ترى الكبير صغيرًا بدون مراعاة للسن، هو مثل الأطفال.
• الكبت: تعني إبعاد الأفكار المؤلمة، ورفض الاعتراف بالمشكلة والهروب منها كحل مؤقت. يعتقد الكثير أن الشخص الذي لا يستطيع مواجهة الواقع يجب أن ينسى ما يحدث له، حيث يعتبر الكبت من الوسائل التي يلجأ إليها الفرد لإعفاء نفسه من الصراعات والشعور بالقلق، فالنسيان عامل من عوامل الزمن التي يتم بها إغفال الواقع وإبقاؤه بعيدًا عن الإدراك.
• التثبيط: يقرر الفرد بإرادته ووعيه أنه لن يشبع دوافعه، وأنه سوف يتعايش مع عدم إشباعها؛ لأن إشباعها في الوقت الحاضر سيكون صعبًا أو مستحيلاً، وكبت المشاعر والأحاسيس والسلوكيات يسبب صراعًا وألمًا أو ضيقًا أو قد يتسبب في مشاكل لدى الفرد نفسه.
• التعلية: يحاول الفرد التعبير عن دوافعه الغير مقبولة بصورة أخرى مقبولة للمجتمع، كأن يحاول الشخص ذو الميول العدوانية العمل كملاكم أو محارب أو حارس أمن.
• التعويض: حيلة دفاعية يحاول صاحبها إخفاء ما يشعر به من نقص جسماني أو عقلي أو اجتماعي، سواء كان هذا النقص حقيقيًّا أو متوهمًا، لماذا؟ لكي يثبت المرء لنفسه أنه قادر وقوي، ومن أشكال التعويض: العناد والمكابرة والاستبداد بالرأي، والتخريب، والتمرد على السلطة.
• الانطواء: يلجأ إليه الفرد ليبتعد عن المشاركة في الحياة والتفاعل مع الآخرين. يحاول هنا خلق أعذار لهذا التقوقع وذلك الانطواء حتى لا يعرض نفسه للصراع، وكأنه يحكم على نفسه بالعيش في عزلة مرضية تجعله بمنأى عن المشاركة الفعالة في الحياة وتحرمه من الاتصال المثمر والإقبال على الحياة بوجه عام، ومنها يسير إلى:
السلبية، حيث مقاومة المسئوليات والضغوط فيصبح صاحب شخصية سلبية.
• السلبية: الحذر والابتعاد من المشاركة فيما يهم الناس في أفراحهم أو المشاركة في أحزانهم حتى ولو كان بالتعبير السطحي وإظهار مظهر من مظاهر المشاركة الوجدانية، والعزلة والانفراد الناتجان عن شعور بالنقص من الآخرين وما يولده ذلك من شعور العنف والقسوة تجاه ذاته ومعاقبتها؛ لأنه لا يستطيع مجاراة الآخرين ممن يقدمون لبعضهم البعض أجمل التمنيات بالخير والابتسامات، فصاحبنا هنا يحمل بسبب عقدة النقص التي تلازمه عقدة الحقد على كل ما هو مفرح وناجح، لا يقيم علاقة متوازنة مع أقرب من حوله، هو:
- باطنه مملوء بالانتقام والعدوان، فهو لا يستطيع في أكثر الأحيان أن ينفذ ما يريد وينعكس ذلك في كلماته وآرائه.
- ضعيف الفعالية في كافة مجالات الحياة، ولا يرى للنجاح معنى؛ بل يحاول إفشال أي مشروع للنجاح.
- لا يؤمن بمسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة؛ بل ليس عنده همة الخطوة الأولى، ولهذا لا يتقدم ولا يحرك ساكنًا وإن فعل مرة يتوقف مرات ومئات المرات.
-لا يرى أن هناك فراغًا يجب أن يملأه وأن يكون له دور يؤديه.
- ليس للالتزام والانضباط لديه معنى أو قيمة في قائمة أعمال حياته، فلا يتأثر بالمواعظ أو التوجيهات النافعة.
- دائمًا يقوم بدور المعوق والمشاغب بكل ما هو تحت تصرفه أو ضمن صلاحياته.
- مطعم بالحجج الواهية والأعذار الخادعة بشكل مقصود.
- دائم الشكوى والاعتراض والعتاب والنقد الهدام.
- إذا ناقش موضوعًا ما ناقش بغضب وتوتر وانحياز للذات والمصالح.
• الخوف من الفشل: شعور داخلي ينتاب الفرد، يخشى أن يسير باتجاه تحقيق هذا الهدف ثم لا يستطيع الوصول إليه، ويخشى أن يتحرك من أجل تنفيذ عمل ما ثم تحول العقبات والمشاكل بينه وبين تحقيقه.
قد يطمح أن يستكمل دراسات عليا في التخصص، ويخشى أن ترفض الجامعة أو قد تحول أحواله المادية دون الاستكمال فينسحب من البداية.
قد يطمح أن يكون خطيبًا ولكن قد لا أعجب الناس، أخاف أن أرتبك، أن أخطئ، ألا يتقبل الناس خطابتي.... وبناء على هذه المخاوف يتراجع من بداية الطريق.
نفوس ضعيفة رهيفة لا تقبل الصدمة، تعودت على الدلالات والراحة؛ ولذا تهرب من أي احتمال للمصاعب وتتراجع عن أي طريق تعترضها فيه الصدمات والمشكلات.
تخاف الفشل لأن الفشل مضخم في نفسها، ولديها قائمة أعذار جاهزة تستخرج منها ما تريد وقتما تريد، من هذه القائمة:
- لو لم يكن لدي تلك الزوجة.....
- لو لم يكن لدي زوجة وأولاد وعائلة.....
- لو كان لدي مال.....
- لو كان لدي تخصص كذا.....
- لو كان بإمكاني الحصول على وظيفة كذا....
- لو كانت صحتي على ما يرام....
- لو كانت الأوقات أفضل....
- لو لم أولد في تلك القرية/ البلد....
- لو كان لدي جواز سفر أو جنسية البلد....
- لو كانت الظروف من حولي....
- لو كنت جئت في زمن مختلف....
- لو لم أكن خائفًا مما قد يقوله الناس....
- لو أعطِيت الفرصة المناسبة....
- لو كان من حولي يحبونني....
- لو لم يحدث هذا الحادث الذي أوقفني....
- لو كانت السن أصغر أو أكبر قليلاً....
- لو كان والدي غنيًّا....
- لو كان بإمكاني التجرؤ وإثبات نفسي....
- لو لم يسبب لي من حولي (الوالدان أو الزوج والزوجة والأولاد أو الزملاء.....) التوتر والإزعاج.....
- لو كان مديري في العمل يقدرني ويساعدني....
- لو فهمتني زوجتي/ زوجي....
- لو كان بإمكاني البدء والانطلاق من جديد....
- لو كان لدي شخصية فلان....
- لو لم أكن بدينًا/ نحيفًا....
- لو لم يعارضني الجميع....
- لو لم تكن عائلتي مبذرة مسرفة في النفقات....
- لو كنت متأكدًا من نفسي....
- لو لم يكن الحظ ضدي....
- لو لم أملك ماضيًا....
- لو كان لدي عمل خاص بي....
- لو لم أكن أنا أنا....
- لو كنت شخصًا اجتماعيًّا....
وهكذا يخشى من التقدم بحجة أنه لا يملك مقومات التقدم، يحيا حياة تعيسة ويرفض أن يبذل جهدًا ليحولها إلى حياة هنيئة، ويظهر هذا الخوف من الفشل في:
- صعوبة اتخاذ القرار في المسار المهني أو التعليمي الذي يتلاءم مع قدراته وميوله.
- وضع أهداف أقل من القدرات الحقيقية للفرد.
- إظهار عدم السعادة والرضا من الحياة.
- التأجيل وعدم الالتزام.
• التسويف: وتعني أن تقوم بمهمة ذات أولوية منخفضة بدلاً من أن تنجز مهمتك ذات الأولوية العالية، وتعني أن تعتقد أنك تؤجل عملاً معينًا، بينما في الحقيقة لا تنوي القيام به وأنت لا تعي ذلك، ومن نماذج التسويف:
- البقاء في وظيفة تجد نفسك فيها غير قادر على النمو أو العطاء.
- الامتناع عن معالجة صعوبات معينة مثل: الخجل، مواجهة الناس، مصارحة شخص ما،...
- الخوف من الانتقال إلى مقر جديد أو بلد جديد أو نمط حياة جديدة.
- تخطيط مشروعات قد تكون مقالات، دراسات، أبحاثًا، كتبًا،... دون فعل أي شيء علمي قابل للتنفيذ.
ولماذا يتم التسويف؟ يحدث نتيجة:
- أن الهدف أمام الفرد كبير جدًّا وإمكانياته أقل منه.
- العجز عن أداء الأمر بإتقان.
- كآبة العمل المؤجل.
- الخوف من المجهول.
- الأمل والتوهم في تحسن الظروف والأحوال وانتظار ساعة الصفا والإبداع.
- الخداع والهروب.
- الكسل.
- التردد.
- عدم الرغبة في الالتزام مطلقًا والرغبة في الانطلاق والحرية بدون قيود، والأعذار التي يقولها الفرد لنفسه ويُقنِع ويوهم نفسه بها كثيرة، قد تكون:
- أنه ممل، لم يحن وقته، أنجز أكثر تحت الضغط، مازال الوقت مبكرًا اليوم، الوقت متأخر اليوم، العمل صعب، عندي صداع، قد يكون مهمًّا ولكنه غير مستعجل، لا أدري من أين أبدأ، أحتاج أن أتناول طعامي أولاً، أنا تعبان الآن أو مشغول، هناك برنامج مهم يجب مشاهدته، مزاجي على غير ما يرام، مضطرب ... إلى غير ذلك من عشرات الأعذار للتسويف وتأجيل الأعمال والأمور.
• اليأس وعدم الأمل: بضاعة المفلس، حين تضعف الإرادة وتلين العزيمة، فإن النفس تنهار عند مواجهة أحداث الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي، وحين يفشل مثل هذا الفرد في موقف أو مجموعة مواقف فإن نفسه تخدعه وتدافع عن قعود همتها، لتصل به للدفاع عنها باليأس وعدم الأمل فتمنع عن صاحبها حرية الحركة، فيقبع في مكانه غير قادر على العمل والاجتهاد لتغيير واقعه بسبب سيطرة اليأس على نفسه وتشاؤمه من كل ما هو قادم، حيث ساء ظنه بربه وضعف توكله عليه وانقطع رجاؤه من تحقيق مراده، فيرى الفشل محيطًا به ويقول: هلك الناس.
• الكمال الزائف: حيلة نفسية تضغط على الفرد بأن لا يقبل إلا الكمال في الأمور مع عدم السعي في تحصيله.
• الكسل: الراحة أفضل، لا داعي للتعب، ما الذي سأصنعه في حياتي إن أتممت الدراسة أو عملاً ما في أسرع وقت، لم أحقق ما أريد فيما مضى فكيف سأحقق الآن.. عجز وإحباط، وإن كان في الحقيقة قادرًا لكنه يؤثر الراحة والدَّعة.
• حيل نفسية مرضية: وتتمثل في لجوء الشخص إلى حيل مرضية لإبعاد اللوم عن نفسه لكي يهرب من الواقع الذي قد يتسبب في شعوره بالقلق واللوم والتقريع، ومن أهم الأعراض المرضية التي قد يلجأ إليها الفرد.. الغيبوبة أو التشنج أو الصداع وألم المعدة.
* خبير التنمية البشرية والتطوير الإداري, ومؤلف للعديد من الكتب في التنمية البشرية.
موقع نوافذ " ادارة وتطوير" ([Only Registered Users Can See Links])
[Only Registered Users Can See Links]
د. محمد فتحي
كثيرًا ما يتذرّع الإنسان بالحيل والحواجز النفسيّة، ويلجأ إلى الدفاعات النفسية إذا لم يوفق في حل مشكلاته؛ للتقليل من الصراعات في داخله، وأيضًا لحماية ذاته من التهديد، لعجزه عن إرضاء دوافعه بطريقة سوية واقعية لأسباب كثيرة، كأن تكون المشكلة فوق احتماله، أو تكون نتيجة دوافع لا شعورية لا يعرف مصدرها، أو تكون ناتجة عن ضعف أو قصور في تكوينه النفسي.
هذه الحيل أو الدفاعات تحقق لك أيها الإنسان التخلص من القلق والتوتر الناتج عن عدم حل مشكلاتك، ولكنها تصبح ضارة وخطرة عندما تعمي الشخص عن رؤية عيوبه ومشاكله الحقيقية ولا تعينه على مواجهة المشكلة بصورة واقعية.
أشياء لا شعورية يلجأ إليها الفرد لتبرير بعض السلوكيات التي قام بها ليطمْئن نفسه، ولكي يحتفظ بمقدار أكبر من الثقة الزائفة في نفسه أيضًا، يكذب على نفسه ليوهمها بسلوكه الصائب والسديد مع قناعته الداخلية بأنه خطأ.
ومن أهم هذه الحيل والحواجز والدفاعات وخداع النفس:
• التبرير: يعني تفسير السلوك الخاطئ بأسباب منطقية، فإذا ما تعثر الفرد في أمر من الأمور تجده يبرر هذا التعثر بمسوغات عقلية يحاول من خلالها تبرير عثرته وتسويغ أفعاله، وهو بذلك السلوك يخفي الأسباب الحقيقية، وغالبًا ما تكون أسبابه التي يعتمد عليها في تبريراته غير مقنعة وغير متناسقة، فالطالب الذي يرسب في الامتحان يبرر الرسوب بصعوبة الأسئلة أو إصابته بمرض، والعانس التي لا تجد زوجًا تؤكد على أنها لا ترغب في الزواج لأن الرجال جميعهم خونة، والموظف الذي تم فصله من الوظيفة يؤكد أنه ارتاح من هم المدير ووقاحته وعدم فهمه الصحيح للعمل، والضابط الذي يقسو على المتهمين يختلق عيوبًا تبرر سلوكه نحوهم.
التبرير هنا حيلة دفاعية ضد اتهام الذات والإحساس بالذنب بعد وقوع الحادث، وتحرم صاحبه من التبصر بأفعاله والتحكم فيها ومراجعة أخطائه.
• الإسقاط: وهو أن ينسب الفرد ما في نفسه من عيوب إلى الآخرين، فصفاتٌ غير مقبولة موجودة لديَّ مثل الغيرة والحسد والبغض أقوم بنسبها إلى الغير، بحيث تبدو تصرفاتي أنا الخاطئة مقبولة لدي أنا، فالفرد الذي يغار من نجاح الآخرين يدافع عن نفسه بأن الآخرين يغارون منه ويكيدون له ويكرهونه بحيث يوقعونه في المطبات، أو أنهم يخدعونه فيكيدون له عند المدير مع أنهم في الواقع لا يكترثون لوجوده.
• أحلام اليقظة: أي اللجوء إلى عالم الحلم والخيال بعيدًا عن الواقع، كحل سحري للهروب من الواقع، يلجأ إليه الفرد لكي يخدع نفسه فتستريح بذلك نفسه المضطربة والمكبوتة، فهو يقضي ساعات يحلم بها ويبعد عن الواقع المرير الذي يعيش فيه ويسبح بعيدًا في أحلامه التي يعتبرها حلاًّ سريعًا لمشاكله، والغالب من الناس يقضون ساعات وساعات في أحلام اليقظة تذهب بها أفكارهم بعيدًا عن الواقع لكي يحققوا في أحلامهم ما عجزوا عن عمله في واقعهم.
إغراق في الخيال يجعل صاحبه يتقوقع في أوهام، بحيث يصبح هذا التقوقع بمثابة عالم متكامل يعيش فيه ويجتر الأوهام، ويلوذ بهذا النسيج المتهالك من أفكار لا علاقة لها بعالم الواقع.
• الإزاحة: أي إعادة توجيه الانفعالات المحبوسة نحو أشخاص غير الأشخاص الأصلية، هذه الحيلة تجعل صاحبها يضع أهدافًا محل أهداف أخرى، فمن الممكن أن تتحول مشاعر الكره عند فرد إلى خليط من المشاعر نجده يزيحها على الآخرين، مثلاً: موظف يزيح مشكلاته وشعوره العدواني على الجمهور فيعطل أعمالهم ويقسو في معاملته لهم، وتكون هذه الإزاحة بمثابة الشعور العدواني الكامل الذي يريد أن يزيحه على الجمهور دون أن يتعرف على الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذه التصرفات، وقد يصل الأمر بمثل هذا الشخص إلى أن يعمم سلوك العدوان حتى يصبح السمة الغالبة على تصرفاته، وأيضًا مثل موظف فاشل في عمله يتعلل بأن أهل بيته هم سبب كل ما يحدث له وقد يعتدي عليهم، حيث إن طلبات أهل بيته المتكررة تؤدي إلى فشله في عمله (وهذا غير صحيح).
• التقمص (التوحد): هو جمع الفرد واستعارته إلى نفسه ما في غيره من صفات مرغوبة ليصل إلى النموذج الذي ينال إعجابه، وهي حيلة نفسية جيدة إن تم استثمارها بإيجابية، كأن يتقمص الفرد شخصية أبيه المكافح الناجح أو شخص به مميزات يرى فيه حكمة وإرشادًا، وقد تكون حيلة سلبية إذا ما تم تقمص شخصية متطرفة في العدوان أو الإفراط في استخدام القوة الغير مبررة.
• النكوص: وهو العودة والتقهقر إلى مستوى غير ناضج من السلوك نتيجة عدم القدرة على التلاؤم مع الظروف المحيطة أو ضغوط الحياة وما يصاحبها من مواقف تحتاج إلى المواجهة.
ماذا يحدث عندما يشعر فرد بفشله.. يثور ويغضب تصرف أقرب إلى تصرف الأطفال.
ماذا يحدث عندما لا يحقق فرد ما يرغبه أو يأمل فيه يبكي ويضرب الأرض بقدميه، يسعى لتفريغ طاقاته وينفس عن هموم متراكمة تسبب له توترًا أو قلقًا.. هنا قد ترى الكبير صغيرًا بدون مراعاة للسن، هو مثل الأطفال.
• الكبت: تعني إبعاد الأفكار المؤلمة، ورفض الاعتراف بالمشكلة والهروب منها كحل مؤقت. يعتقد الكثير أن الشخص الذي لا يستطيع مواجهة الواقع يجب أن ينسى ما يحدث له، حيث يعتبر الكبت من الوسائل التي يلجأ إليها الفرد لإعفاء نفسه من الصراعات والشعور بالقلق، فالنسيان عامل من عوامل الزمن التي يتم بها إغفال الواقع وإبقاؤه بعيدًا عن الإدراك.
• التثبيط: يقرر الفرد بإرادته ووعيه أنه لن يشبع دوافعه، وأنه سوف يتعايش مع عدم إشباعها؛ لأن إشباعها في الوقت الحاضر سيكون صعبًا أو مستحيلاً، وكبت المشاعر والأحاسيس والسلوكيات يسبب صراعًا وألمًا أو ضيقًا أو قد يتسبب في مشاكل لدى الفرد نفسه.
• التعلية: يحاول الفرد التعبير عن دوافعه الغير مقبولة بصورة أخرى مقبولة للمجتمع، كأن يحاول الشخص ذو الميول العدوانية العمل كملاكم أو محارب أو حارس أمن.
• التعويض: حيلة دفاعية يحاول صاحبها إخفاء ما يشعر به من نقص جسماني أو عقلي أو اجتماعي، سواء كان هذا النقص حقيقيًّا أو متوهمًا، لماذا؟ لكي يثبت المرء لنفسه أنه قادر وقوي، ومن أشكال التعويض: العناد والمكابرة والاستبداد بالرأي، والتخريب، والتمرد على السلطة.
• الانطواء: يلجأ إليه الفرد ليبتعد عن المشاركة في الحياة والتفاعل مع الآخرين. يحاول هنا خلق أعذار لهذا التقوقع وذلك الانطواء حتى لا يعرض نفسه للصراع، وكأنه يحكم على نفسه بالعيش في عزلة مرضية تجعله بمنأى عن المشاركة الفعالة في الحياة وتحرمه من الاتصال المثمر والإقبال على الحياة بوجه عام، ومنها يسير إلى:
السلبية، حيث مقاومة المسئوليات والضغوط فيصبح صاحب شخصية سلبية.
• السلبية: الحذر والابتعاد من المشاركة فيما يهم الناس في أفراحهم أو المشاركة في أحزانهم حتى ولو كان بالتعبير السطحي وإظهار مظهر من مظاهر المشاركة الوجدانية، والعزلة والانفراد الناتجان عن شعور بالنقص من الآخرين وما يولده ذلك من شعور العنف والقسوة تجاه ذاته ومعاقبتها؛ لأنه لا يستطيع مجاراة الآخرين ممن يقدمون لبعضهم البعض أجمل التمنيات بالخير والابتسامات، فصاحبنا هنا يحمل بسبب عقدة النقص التي تلازمه عقدة الحقد على كل ما هو مفرح وناجح، لا يقيم علاقة متوازنة مع أقرب من حوله، هو:
- باطنه مملوء بالانتقام والعدوان، فهو لا يستطيع في أكثر الأحيان أن ينفذ ما يريد وينعكس ذلك في كلماته وآرائه.
- ضعيف الفعالية في كافة مجالات الحياة، ولا يرى للنجاح معنى؛ بل يحاول إفشال أي مشروع للنجاح.
- لا يؤمن بمسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة؛ بل ليس عنده همة الخطوة الأولى، ولهذا لا يتقدم ولا يحرك ساكنًا وإن فعل مرة يتوقف مرات ومئات المرات.
-لا يرى أن هناك فراغًا يجب أن يملأه وأن يكون له دور يؤديه.
- ليس للالتزام والانضباط لديه معنى أو قيمة في قائمة أعمال حياته، فلا يتأثر بالمواعظ أو التوجيهات النافعة.
- دائمًا يقوم بدور المعوق والمشاغب بكل ما هو تحت تصرفه أو ضمن صلاحياته.
- مطعم بالحجج الواهية والأعذار الخادعة بشكل مقصود.
- دائم الشكوى والاعتراض والعتاب والنقد الهدام.
- إذا ناقش موضوعًا ما ناقش بغضب وتوتر وانحياز للذات والمصالح.
• الخوف من الفشل: شعور داخلي ينتاب الفرد، يخشى أن يسير باتجاه تحقيق هذا الهدف ثم لا يستطيع الوصول إليه، ويخشى أن يتحرك من أجل تنفيذ عمل ما ثم تحول العقبات والمشاكل بينه وبين تحقيقه.
قد يطمح أن يستكمل دراسات عليا في التخصص، ويخشى أن ترفض الجامعة أو قد تحول أحواله المادية دون الاستكمال فينسحب من البداية.
قد يطمح أن يكون خطيبًا ولكن قد لا أعجب الناس، أخاف أن أرتبك، أن أخطئ، ألا يتقبل الناس خطابتي.... وبناء على هذه المخاوف يتراجع من بداية الطريق.
نفوس ضعيفة رهيفة لا تقبل الصدمة، تعودت على الدلالات والراحة؛ ولذا تهرب من أي احتمال للمصاعب وتتراجع عن أي طريق تعترضها فيه الصدمات والمشكلات.
تخاف الفشل لأن الفشل مضخم في نفسها، ولديها قائمة أعذار جاهزة تستخرج منها ما تريد وقتما تريد، من هذه القائمة:
- لو لم يكن لدي تلك الزوجة.....
- لو لم يكن لدي زوجة وأولاد وعائلة.....
- لو كان لدي مال.....
- لو كان لدي تخصص كذا.....
- لو كان بإمكاني الحصول على وظيفة كذا....
- لو كانت صحتي على ما يرام....
- لو كانت الأوقات أفضل....
- لو لم أولد في تلك القرية/ البلد....
- لو كان لدي جواز سفر أو جنسية البلد....
- لو كانت الظروف من حولي....
- لو كنت جئت في زمن مختلف....
- لو لم أكن خائفًا مما قد يقوله الناس....
- لو أعطِيت الفرصة المناسبة....
- لو كان من حولي يحبونني....
- لو لم يحدث هذا الحادث الذي أوقفني....
- لو كانت السن أصغر أو أكبر قليلاً....
- لو كان والدي غنيًّا....
- لو كان بإمكاني التجرؤ وإثبات نفسي....
- لو لم يسبب لي من حولي (الوالدان أو الزوج والزوجة والأولاد أو الزملاء.....) التوتر والإزعاج.....
- لو كان مديري في العمل يقدرني ويساعدني....
- لو فهمتني زوجتي/ زوجي....
- لو كان بإمكاني البدء والانطلاق من جديد....
- لو كان لدي شخصية فلان....
- لو لم أكن بدينًا/ نحيفًا....
- لو لم يعارضني الجميع....
- لو لم تكن عائلتي مبذرة مسرفة في النفقات....
- لو كنت متأكدًا من نفسي....
- لو لم يكن الحظ ضدي....
- لو لم أملك ماضيًا....
- لو كان لدي عمل خاص بي....
- لو لم أكن أنا أنا....
- لو كنت شخصًا اجتماعيًّا....
وهكذا يخشى من التقدم بحجة أنه لا يملك مقومات التقدم، يحيا حياة تعيسة ويرفض أن يبذل جهدًا ليحولها إلى حياة هنيئة، ويظهر هذا الخوف من الفشل في:
- صعوبة اتخاذ القرار في المسار المهني أو التعليمي الذي يتلاءم مع قدراته وميوله.
- وضع أهداف أقل من القدرات الحقيقية للفرد.
- إظهار عدم السعادة والرضا من الحياة.
- التأجيل وعدم الالتزام.
• التسويف: وتعني أن تقوم بمهمة ذات أولوية منخفضة بدلاً من أن تنجز مهمتك ذات الأولوية العالية، وتعني أن تعتقد أنك تؤجل عملاً معينًا، بينما في الحقيقة لا تنوي القيام به وأنت لا تعي ذلك، ومن نماذج التسويف:
- البقاء في وظيفة تجد نفسك فيها غير قادر على النمو أو العطاء.
- الامتناع عن معالجة صعوبات معينة مثل: الخجل، مواجهة الناس، مصارحة شخص ما،...
- الخوف من الانتقال إلى مقر جديد أو بلد جديد أو نمط حياة جديدة.
- تخطيط مشروعات قد تكون مقالات، دراسات، أبحاثًا، كتبًا،... دون فعل أي شيء علمي قابل للتنفيذ.
ولماذا يتم التسويف؟ يحدث نتيجة:
- أن الهدف أمام الفرد كبير جدًّا وإمكانياته أقل منه.
- العجز عن أداء الأمر بإتقان.
- كآبة العمل المؤجل.
- الخوف من المجهول.
- الأمل والتوهم في تحسن الظروف والأحوال وانتظار ساعة الصفا والإبداع.
- الخداع والهروب.
- الكسل.
- التردد.
- عدم الرغبة في الالتزام مطلقًا والرغبة في الانطلاق والحرية بدون قيود، والأعذار التي يقولها الفرد لنفسه ويُقنِع ويوهم نفسه بها كثيرة، قد تكون:
- أنه ممل، لم يحن وقته، أنجز أكثر تحت الضغط، مازال الوقت مبكرًا اليوم، الوقت متأخر اليوم، العمل صعب، عندي صداع، قد يكون مهمًّا ولكنه غير مستعجل، لا أدري من أين أبدأ، أحتاج أن أتناول طعامي أولاً، أنا تعبان الآن أو مشغول، هناك برنامج مهم يجب مشاهدته، مزاجي على غير ما يرام، مضطرب ... إلى غير ذلك من عشرات الأعذار للتسويف وتأجيل الأعمال والأمور.
• اليأس وعدم الأمل: بضاعة المفلس، حين تضعف الإرادة وتلين العزيمة، فإن النفس تنهار عند مواجهة أحداث الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي، وحين يفشل مثل هذا الفرد في موقف أو مجموعة مواقف فإن نفسه تخدعه وتدافع عن قعود همتها، لتصل به للدفاع عنها باليأس وعدم الأمل فتمنع عن صاحبها حرية الحركة، فيقبع في مكانه غير قادر على العمل والاجتهاد لتغيير واقعه بسبب سيطرة اليأس على نفسه وتشاؤمه من كل ما هو قادم، حيث ساء ظنه بربه وضعف توكله عليه وانقطع رجاؤه من تحقيق مراده، فيرى الفشل محيطًا به ويقول: هلك الناس.
• الكمال الزائف: حيلة نفسية تضغط على الفرد بأن لا يقبل إلا الكمال في الأمور مع عدم السعي في تحصيله.
• الكسل: الراحة أفضل، لا داعي للتعب، ما الذي سأصنعه في حياتي إن أتممت الدراسة أو عملاً ما في أسرع وقت، لم أحقق ما أريد فيما مضى فكيف سأحقق الآن.. عجز وإحباط، وإن كان في الحقيقة قادرًا لكنه يؤثر الراحة والدَّعة.
• حيل نفسية مرضية: وتتمثل في لجوء الشخص إلى حيل مرضية لإبعاد اللوم عن نفسه لكي يهرب من الواقع الذي قد يتسبب في شعوره بالقلق واللوم والتقريع، ومن أهم الأعراض المرضية التي قد يلجأ إليها الفرد.. الغيبوبة أو التشنج أو الصداع وألم المعدة.
* خبير التنمية البشرية والتطوير الإداري, ومؤلف للعديد من الكتب في التنمية البشرية.
موقع نوافذ " ادارة وتطوير" ([Only Registered Users Can See Links])