الزهراء
05-15-2008, 02:20 PM
[Only Registered Users Can See Links] solaim-95a68df188.gif ([Only Registered Users Can See Links])
بينا في الحلقة الثانية من المد الإسلامي عبر التاريخ بعض الأساليب التي لجأ إليها زعماء المشركين بمكة لإيقاف هذا المد ، وانتهى بنا الحديث عند وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالصبر لما شكوا إليه ما يلقونه من إيذاء على يد المشركين ، حيث قال مقولته المشهورة : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه ، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(1)..
ولكن الناس طبائعها تختلف أمام تحمل البلاء ، فمنهم يصبر عليه إلى درجة أنه لا يراه شيئا بجانب رضا الله عنه ، ومنهم من تخور قواه فلا يستطيع التحمل والتجلد ، لذلك لما رأى صلى الله عليه وسلم أن بعض المسلمين بدأ يفتن تحت ضغط التعذيب لم يشأ أن يحملهم فوق ما يطيقون ، أو أن يتركهم يدخلون في صراع لا تحمد عواقبه مع المشركين الذين يستفزونهم كل حين ، وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة حيث كان يعلم ( ربما من خلال رحلاته التجارية) أن بها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد ، وقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجاً مما أنتم فيه"(2) ..
غير أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم بذلك ، وإنما ترك لهم حرية الاختيار بين البقاء والصبر على الأذى بمكة أو الخروج إلى الحبشة .
فخرج إليها سرا قرابة مائة مسلم ومسلمة ، تاركين وراءهم المال والأهل والوطن إلى بيئة تختلف عن بيئتهم في كل شيء حتى في اللغة ؛ كي يستطيعوا أن يحافظوا على إيمانهم بالله تعالى.
ولم يرض الطغاة من قريش عن هذا الفعل ، فهم يصرون على ألا يعبد الله في الأرض ، ولو كان خارج ديارهم ، وعز عليهم أن يجد المؤمنون بالله مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين منهما ، وأرسلوهما بهدايا مستطرفة لملك الحبشة ولبطارقته ليرشوهم بها ، وطلبوا منه أن يطرد المسلمين من بلاده ، ويعيدهم إلى مكة ، وقالا له : أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه (3).
لكن ملك الحبشة كان ـ كما حسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عادلا منصفا ، ولم يشأ أن يستجيب لهم قبل أن يقابل المسلمين ، ويتعرف على حقيقتهم ، ومدى صدق رسل قريش فيما ادعوه ، فأرسل إليهم من يحضرهم بين يديه ، فجاءوه وقد أجمعوا على الصدق معه كائنًا ما كان ، فقال لهم مستفسرا : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟.
فقال أحدهم وهو" جعفر بن أبي طالب" ابن عم رسول الله : أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئًا.
وعدد عليه أمور الإسلام ثم قال له: فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئًا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك(4).
فقال له ملك الحبشة : هل معك مما جاء به ( رسول الله ) عن الله من شيء ؟ فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه مقدمة سورة "مريم " وهي " كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ..... ".
فبكى النجاشي ( ملك الحبشة) حتى ابتلت لحيته من كثرة بكائه ، وكذلك أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال ( أي النجاشي ): إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مصدر واحد ـ أي كلاهما من عند الله ـ ثم قال لرسولي قريش : انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون ( من الكيد ).
فخرجا من عنده وهما عازمان على أن يحتالا عليه بحيلة أخرى ـ كحال بطانة السوء مع كل حاكم عاقل ـ لعلها توقع بينه وبينهم ، فأتياه من الغد فقالا : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، وهي العبارة التي يرددها الآن من يعملون على بث كراهية المسلمين في قلوب العوام من النصارى ، ثم قالا له ليزداد غضبا : أرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه ، فأرسل إليهم ليسألهم عنه ، فأجابه جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: " هو عبد الله ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول " .
وكان النجاشي من المؤمنين بذلك من قبل ، فصدق قوله ، ورد رسل قريش بهديتهم التي جاءوا ليرشوه بها ، ثم أوصى أهل مملكته بالإحسان إلي ضيوفه المسلمين ، وعدم التعرض لهم بسوء ، فاستجابوا له ، ونفذوا وصيته خير تنفيذ ، حتى قال أحد هؤلاء المهاجرين : " فجاورنا خير جوار ، أمنا على ديننا وعبدنا اللّه ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه.
ولم يضيع الله عليه جميل هذا الصُنع ، إذ لم يمض على تلك الحادثة غير قليل حتى خرج عليه بعض البغاة يريدون خلعه من المُلك فنصره الله عليهم .
وعاد الرسولان إلى مكة خائبين بعد رفض النجاشي الاستجابة لطلبهما " فاستشاط المشركون غضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، واشتدت ضراوتهم على من بقي من المسلمين بمكة وعلى رسول الله ، فقد حرضوا عتيبة بن أبي لهب يومًا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه.
كما جاء إليه نفر منهم وهو قائم يصلي عند الكعبة ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، وأخذوا بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونه ، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ؟ فلُهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر يضربونه حتى كاد أن يهلك .
فسمع بنو تيم قومه بذلك فأسرعوا إلى المسجد ، فأجلوهم عن أبي بكر وقالوا لهم : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عُتبة بن ربيعة ( أعظم الحاضرين) ثم حملوه في ثوب ، وهم لا يشكّون في موته، حتى أدخلوه منزله ، وجعلوا يكلمونه حتى أجاب فتكلّم آخر النهار ، فكان أول ما قاله : ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ؟ فعاتبوه على ذلك.
وهذا الاعتداء وذلكم التعذيب قد جعلا قلوب بعض العقلاء ترقُّ للإسلام ، فقد رجع حمزة بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ يوما من رحلة صيد ، فقابلته جارية عند الكعبة ، وقالت له : لو رأيت أبا الحكم وهو يسب ابن أخيك وهو ساكت لا يكلمه ، فأخذته الحمية ومشي إلى أبي جهل فضربه في رأسه فَشَجَّهُ ، وقال له : تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ .
ثم ذهب إلى رسول الله فأعلن إسلامه، ولم يمض غير قليل حتى أسلم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بعد حادث اعتداء منه على أخته المسلمة وزوجها جعل قلبه يرق لما هم عليه ..
وكانت هذه انفراجة يسيرة في حياة المسلمين ؛ وذلك لأن هذين الرجلين كان قد شاع صيتهما في القوة والشجاعة والبأس ، مما جعل كثيرا من السفهاء بمكة يهابونهما فيرتدعون عن التعرض للمسلمين .
ورغم ذلك لم ييئس زعماء الكفر من البحث عن وسائل أخرى لمحاربة المسلمين والتضييق عليهم ، فبعد فشل أسلوب الاضطهاد والتعذيب في إيقاف المد الإسلامي ، وفرار كثير من المضطهدين إلى الحبشة ، وإسلام حمزة وعمر الذين زادا المسلمين منعة ، لجئوا إلى أسلوب آخر لعله يكون أشد تأثيرا ، وهو أسلوب التجويع أو الحصار الاقتصادي ، فهو أفتق واشد ..
فقد اجتمع سادة المشركين بمكة ، واتفقوا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على معاقبة المسلمين والمناصرين له من بني هاشم وبني المطلب ، بأسلوب أشد تأثيرا ، وهو ألا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يزوجوهم ، أو يتزوجوا منهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول اللّه للقتل ..
يعنى أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة ؛ انتقاماً منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة توكيداً لأنفسهم ، وعلقوها في جوف الكعب في أول المحرم سنة سبع من النبوة ، واضطروهم إلى الانتقال والمعيشة في شعب يسمى "شعب أبي طالب"(5)..
وصاروا لا يتركون طعامًا يدخل مكة ، ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، وكان أبو لهب يحض التجار ، ويقول لهم : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، وأنا ضامن ألاّ خسارة عليكم ، فيزيدون عليهم في قيمتها أضعافا ، وصار الرجل من المسلمين يخرج إلى السوق ، ويرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يديه شيء يتقوون به ، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى بلغ بالمسلمين ومن حالفهم الجهد، واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود (6).
وكان لا يصل إليهم شيء من طعام إلا سرًا ، ولا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، حتى صار يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يصرخون من الجوع ..
وقد صور سعد بن أبي وقاص مدى ما كان يعانيه من جوع بقوله : خرجت ذات ليلة لأبولَ فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد ، فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثا ، وللقارئ أن يتأمل إلى أي حد وصل الأمر به حتى يأكل مثل ذلك .
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بذل ما في وسعه لتخفيف حدة هذا الحصار ، إذ أنفق وزوجته خديجة رضي الله عنها مالهما كله على المحاصرين ، وكذلك أبو طالب حتى صاروا إلى حد الضر والفاقة ...
ولبث المسلمون وبنوهاشم في هذا الشعب ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء والجهد.
ورغم ذلك لم يخرجوا عن الأخلاق التي رباهم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ضجر أحدهم بالإسلام وما ناله من الشدة بسبب اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما اُضطر أحدهم لأن يسلك في سبيل الحصول على لقمته سلوكا مشينا ، وما خان أحدهم نبيّه بالميل إلى المشركين وممالأتهم طمعا في الحصول على طعامه.
بينا في الحلقة الثانية من المد الإسلامي عبر التاريخ بعض الأساليب التي لجأ إليها زعماء المشركين بمكة لإيقاف هذا المد ، وانتهى بنا الحديث عند وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالصبر لما شكوا إليه ما يلقونه من إيذاء على يد المشركين ، حيث قال مقولته المشهورة : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه ، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(1)..
ولكن الناس طبائعها تختلف أمام تحمل البلاء ، فمنهم يصبر عليه إلى درجة أنه لا يراه شيئا بجانب رضا الله عنه ، ومنهم من تخور قواه فلا يستطيع التحمل والتجلد ، لذلك لما رأى صلى الله عليه وسلم أن بعض المسلمين بدأ يفتن تحت ضغط التعذيب لم يشأ أن يحملهم فوق ما يطيقون ، أو أن يتركهم يدخلون في صراع لا تحمد عواقبه مع المشركين الذين يستفزونهم كل حين ، وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة حيث كان يعلم ( ربما من خلال رحلاته التجارية) أن بها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد ، وقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجاً مما أنتم فيه"(2) ..
غير أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم بذلك ، وإنما ترك لهم حرية الاختيار بين البقاء والصبر على الأذى بمكة أو الخروج إلى الحبشة .
فخرج إليها سرا قرابة مائة مسلم ومسلمة ، تاركين وراءهم المال والأهل والوطن إلى بيئة تختلف عن بيئتهم في كل شيء حتى في اللغة ؛ كي يستطيعوا أن يحافظوا على إيمانهم بالله تعالى.
ولم يرض الطغاة من قريش عن هذا الفعل ، فهم يصرون على ألا يعبد الله في الأرض ، ولو كان خارج ديارهم ، وعز عليهم أن يجد المؤمنون بالله مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين منهما ، وأرسلوهما بهدايا مستطرفة لملك الحبشة ولبطارقته ليرشوهم بها ، وطلبوا منه أن يطرد المسلمين من بلاده ، ويعيدهم إلى مكة ، وقالا له : أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه (3).
لكن ملك الحبشة كان ـ كما حسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عادلا منصفا ، ولم يشأ أن يستجيب لهم قبل أن يقابل المسلمين ، ويتعرف على حقيقتهم ، ومدى صدق رسل قريش فيما ادعوه ، فأرسل إليهم من يحضرهم بين يديه ، فجاءوه وقد أجمعوا على الصدق معه كائنًا ما كان ، فقال لهم مستفسرا : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟.
فقال أحدهم وهو" جعفر بن أبي طالب" ابن عم رسول الله : أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئًا.
وعدد عليه أمور الإسلام ثم قال له: فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئًا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك(4).
فقال له ملك الحبشة : هل معك مما جاء به ( رسول الله ) عن الله من شيء ؟ فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه مقدمة سورة "مريم " وهي " كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ..... ".
فبكى النجاشي ( ملك الحبشة) حتى ابتلت لحيته من كثرة بكائه ، وكذلك أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال ( أي النجاشي ): إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مصدر واحد ـ أي كلاهما من عند الله ـ ثم قال لرسولي قريش : انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون ( من الكيد ).
فخرجا من عنده وهما عازمان على أن يحتالا عليه بحيلة أخرى ـ كحال بطانة السوء مع كل حاكم عاقل ـ لعلها توقع بينه وبينهم ، فأتياه من الغد فقالا : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، وهي العبارة التي يرددها الآن من يعملون على بث كراهية المسلمين في قلوب العوام من النصارى ، ثم قالا له ليزداد غضبا : أرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه ، فأرسل إليهم ليسألهم عنه ، فأجابه جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: " هو عبد الله ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول " .
وكان النجاشي من المؤمنين بذلك من قبل ، فصدق قوله ، ورد رسل قريش بهديتهم التي جاءوا ليرشوه بها ، ثم أوصى أهل مملكته بالإحسان إلي ضيوفه المسلمين ، وعدم التعرض لهم بسوء ، فاستجابوا له ، ونفذوا وصيته خير تنفيذ ، حتى قال أحد هؤلاء المهاجرين : " فجاورنا خير جوار ، أمنا على ديننا وعبدنا اللّه ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه.
ولم يضيع الله عليه جميل هذا الصُنع ، إذ لم يمض على تلك الحادثة غير قليل حتى خرج عليه بعض البغاة يريدون خلعه من المُلك فنصره الله عليهم .
وعاد الرسولان إلى مكة خائبين بعد رفض النجاشي الاستجابة لطلبهما " فاستشاط المشركون غضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، واشتدت ضراوتهم على من بقي من المسلمين بمكة وعلى رسول الله ، فقد حرضوا عتيبة بن أبي لهب يومًا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه.
كما جاء إليه نفر منهم وهو قائم يصلي عند الكعبة ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، وأخذوا بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونه ، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ؟ فلُهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر يضربونه حتى كاد أن يهلك .
فسمع بنو تيم قومه بذلك فأسرعوا إلى المسجد ، فأجلوهم عن أبي بكر وقالوا لهم : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عُتبة بن ربيعة ( أعظم الحاضرين) ثم حملوه في ثوب ، وهم لا يشكّون في موته، حتى أدخلوه منزله ، وجعلوا يكلمونه حتى أجاب فتكلّم آخر النهار ، فكان أول ما قاله : ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ؟ فعاتبوه على ذلك.
وهذا الاعتداء وذلكم التعذيب قد جعلا قلوب بعض العقلاء ترقُّ للإسلام ، فقد رجع حمزة بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ يوما من رحلة صيد ، فقابلته جارية عند الكعبة ، وقالت له : لو رأيت أبا الحكم وهو يسب ابن أخيك وهو ساكت لا يكلمه ، فأخذته الحمية ومشي إلى أبي جهل فضربه في رأسه فَشَجَّهُ ، وقال له : تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ .
ثم ذهب إلى رسول الله فأعلن إسلامه، ولم يمض غير قليل حتى أسلم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بعد حادث اعتداء منه على أخته المسلمة وزوجها جعل قلبه يرق لما هم عليه ..
وكانت هذه انفراجة يسيرة في حياة المسلمين ؛ وذلك لأن هذين الرجلين كان قد شاع صيتهما في القوة والشجاعة والبأس ، مما جعل كثيرا من السفهاء بمكة يهابونهما فيرتدعون عن التعرض للمسلمين .
ورغم ذلك لم ييئس زعماء الكفر من البحث عن وسائل أخرى لمحاربة المسلمين والتضييق عليهم ، فبعد فشل أسلوب الاضطهاد والتعذيب في إيقاف المد الإسلامي ، وفرار كثير من المضطهدين إلى الحبشة ، وإسلام حمزة وعمر الذين زادا المسلمين منعة ، لجئوا إلى أسلوب آخر لعله يكون أشد تأثيرا ، وهو أسلوب التجويع أو الحصار الاقتصادي ، فهو أفتق واشد ..
فقد اجتمع سادة المشركين بمكة ، واتفقوا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على معاقبة المسلمين والمناصرين له من بني هاشم وبني المطلب ، بأسلوب أشد تأثيرا ، وهو ألا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يزوجوهم ، أو يتزوجوا منهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول اللّه للقتل ..
يعنى أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة ؛ انتقاماً منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة توكيداً لأنفسهم ، وعلقوها في جوف الكعب في أول المحرم سنة سبع من النبوة ، واضطروهم إلى الانتقال والمعيشة في شعب يسمى "شعب أبي طالب"(5)..
وصاروا لا يتركون طعامًا يدخل مكة ، ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، وكان أبو لهب يحض التجار ، ويقول لهم : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، وأنا ضامن ألاّ خسارة عليكم ، فيزيدون عليهم في قيمتها أضعافا ، وصار الرجل من المسلمين يخرج إلى السوق ، ويرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يديه شيء يتقوون به ، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى بلغ بالمسلمين ومن حالفهم الجهد، واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود (6).
وكان لا يصل إليهم شيء من طعام إلا سرًا ، ولا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، حتى صار يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يصرخون من الجوع ..
وقد صور سعد بن أبي وقاص مدى ما كان يعانيه من جوع بقوله : خرجت ذات ليلة لأبولَ فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد ، فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثا ، وللقارئ أن يتأمل إلى أي حد وصل الأمر به حتى يأكل مثل ذلك .
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بذل ما في وسعه لتخفيف حدة هذا الحصار ، إذ أنفق وزوجته خديجة رضي الله عنها مالهما كله على المحاصرين ، وكذلك أبو طالب حتى صاروا إلى حد الضر والفاقة ...
ولبث المسلمون وبنوهاشم في هذا الشعب ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء والجهد.
ورغم ذلك لم يخرجوا عن الأخلاق التي رباهم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ضجر أحدهم بالإسلام وما ناله من الشدة بسبب اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما اُضطر أحدهم لأن يسلك في سبيل الحصول على لقمته سلوكا مشينا ، وما خان أحدهم نبيّه بالميل إلى المشركين وممالأتهم طمعا في الحصول على طعامه.