مشاهدة النسخة كاملة : ۞ رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم ( الجزء الثاني ) ۞
الزهراء
05-24-2008, 04:17 PM
[Only Registered Users Can See Links] ([Only Registered Users Can See Links])
تناولت في الجزء الأول سيرة خمسة من الصحابة رضي الله عنهم و يمكنكم الإطلاع على سيرتهم من خلال هذا الرابط
[Only Registered Users Can See Links]
و سأتناول إن شاء الله في الجزء الثاني سيرة كل من
* الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
* الصحابي صهيب بن سنان رضي الله عنه .
* الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه .
* الصحابي المقداد بن عمرو رضي الله عنه .
* الصحابي سعيد بن عامر رضي الله عنه .
[Only Registered Users Can See Links] ([Only Registered Users Can See Links])
سعد بن أبي وقاص
- الأسد في براثنه !! -
أقلقت الأنباء أمير المؤمنين ((عمر بن الخطاب)) ، عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين .. وبمعركة الجسر التي ذهب ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد .. وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم .. فقرر أن يذهب بنفسه ليقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد فارس ..
وركب في نفر من أصحابه مستخلفا على المدينة ((علي بن أبي طالب )) كرّم الله وجهه ..
ولكنه لم يكد يمضي عن المدينة ، حتى رأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه المهمة واحدا غيره من الأصحاب ..
وتبنّى هذا الرأي ((عبد الرحمن بن عوف)) ، معلنا أن المخاطرة بحياة أمير المؤمنين على هذا النحو والإسلام يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد ..
وأمر ((عمر)) أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي: - الصلاة جامعة - واستدعي علي بن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة الى حيث كان أمير المؤمنين وأصحابه .. وانتهى الرأي إلى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر المجتمعون أن يعود ((عمر)) إلى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائدا آخر من المسلمين ..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي وعاد يسأل أصحابه :
- فمن ترون أن نبعث إلى العراق ..؟؟
وصمتوا قليلا يفكرون ..
ثم صاح عبد الرحمن بن عوف : وجدته ...!!
قال عمر: فمن هو ..؟
قال عبد الرحمن :
(( الأسد في براثنه .. سعد بن مالك الزهري ..))
وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين إلى سعد بن مالك الزهري - الذي هو سعد بن أبي وقاص - وولاه إمارة العراق، وقيادة الجيش ..
فمن هو هذا (( الأسد في براثنه)) ..؟
من هذا الذي كان إذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه قائلا :
(( هذا خالي .. فليرني امرؤ خاله )) .!!
إنه سعد بن أبي وقاص .. جده أهيب بن مناف . عم السيدة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
لقد عانق الإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان إسلامه مبكرا، وإنه ليتحدث عن نفسه فيقول :
(( .. ولقد أتى عليّ يوم ، وإني لثلث الاسلام )) ..!!
يعني أنه كان ثالث أول ثلاثة سارعوا إلى الإسلام ..
ففي الأيام الأولى التي بدأ الرسول يتحدث فيها عن الله الأحد، وعن الدين الجديد الذي يزف الرسول بشراه، وقبل أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم ملاذا له ولأصحابه الذين بدأوا يؤمنون به .. كان سعد بن أبي وقاص قد بسط يمينه إلى رسول الله مبايعا ..
وإنّ كتب التاريخ والسّير لتحدثنا بأنه كان أحد الذين أسلموا باسلام أبي بكر ، وعلى يديه ..
ولعله يومئذ أعلن إسلامه مع الذين أعلنوه بإقناع أبي بكر إيّاهم، وهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله.
و هذا لا يمنع سبقه بالإسلام سرا ..
وإن لسعد بن أبي وقاص لأمجادا كثيرة يستطيع أن يباهي بها ويفخر ..
بيد أنه لم يتغنّ من مزاياه تلك، إلا بشيئين عظيمين ..
أولهما : أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله ، وأول من رمي أيضا ..
وثانيهما : أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أحد :
(( ارم سعد .. فداك أبي وأمي )) ..
أجل .. كان دائما يتغنى بهاتين النعمتين الجزيلتين، ويلهج بشكر الله عليهما فيقول :
(( والله ، إني لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله )).
ويقول علي بن أبي طالب :
(( ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه إلا سعدا، فإني سمعته يوم أحد يقول : ارم سعد .. فداك أبي وأمي ))..
كان سعد يعدّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان له سلاحان رمحه .. ودعاؤه ..
إذا رمى في الحرب عدوّا أصابه .. وإذا دعا الله دعاء أجابه ..!!
وكان، وأصحابه معه، يردّون ذلك إلى دعاء الرسول له .. فذات يوم وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما سرّه وقرّ عينه، دعا له هذه الدعوة المأثورة ..
(( اللهم سدد رميته .. وأجب دعوته )).
وهكذا عرف بين إخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو ذلك نفسه وأمره، فلم يكن يدعو على أحد إلا مفوّضا إلى الله أمره.
من ذلك ما يرويه ((عامر بن سعد)) فيقول :
(( رأى سعد رجلا يسب عليا، وطلحة ، والزبير فنهاه، فلم ينته ..
فقال له : إذن أدعو عليك، فقال الرجل : أراك تتهددني كأنك نبي ..!!
فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال : اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سبّ أقواما سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبّه إيّاهم، فاجعله آية وعبرة ...
فلم يمض غير وقت قصير، حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادّة لا يردّها شيء حتى دخلت في زحام الناس - كأنها تبحث عن شيء - ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها .. وما زالت تتخبطه حتى مات )) ..!!
إن هذه الظاهرة، تنبىء أوّل ما تنبىء عن شفافية روحه، وصدق يقينه، وعمق إخلاصه.
وكذلكم كان سعد، روحه حرة .. ويقينه صلب .. واخلاصه عميق ..
وكان دائب الاستعانة على دعم تقواه باللقمة الحلال، فهو يرفض في إصرار عظيم كل درهم فيه أثارة من شبهة ..
ولقد عاش سعد ، حتى صار من أغنياء المسلمين وأثريائهم، ويوم مات خلف وراءه ثروة غير قليلة .. ومع هذا فإذا كانت وفرة المال وحلاله ، قلما يجتمعان، فقلما اجتمعا بين يدي سعد .. إذ آتاه الله ، الكثير ، الحلال ، الطيب ..
و لقد كان رضي الله عنه أستاذا في فن العطاء ، مثلما كان أستاذا في فن الانتقاء ..
وقدرته على جمع ماله من الحلال الخالص، يضاهيها وربما يفوقها - قدرته على إنفاقه في سبيل الله ..
في حجة الوداع ، كان هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصابه المرض، وذهب الرسول يعوده، فساله سعد قائلا .
(( يا رسول الله ، إني ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي ..؟
قال النبي : لا
قلت : فبنصفه ..؟
قال النبي : لا ..
قلت : فبثلثه ..؟
قال النبي : نعم ، والثلث كثير .. إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك )) ..
ولم يظل سعد أبا لبنت واحدة .. فقد رزق بعد هذا أبناء آخرين .
***
وكان سعد كثير البكاء من خشية الله .
وكان إذا استمع للرسول يعظهم، ويخطبهم، فاضت عيناه من الدمع حتى تكاد دموعه تملأ حجره ..
وكان رجلا أوتي نعمة التوفيق والقبول ..
ذات يوم والنبي جالس مع أصحابه، رنا بصره إلى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا .. ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم :
(( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة )) ..
وأخذ الأصحاب يتلفتون صوب كل إتجاه يستشرفون هذا السعيد الموفق المحظوظ ..
وبعد حين قريب، طلع عليهم سعد بن أبي وقاص .
ولقد لاذ به فيما بعد ((عبد الله بن عمرو بن العاص )) سائلا إياه في إلحاح أن يدله على ما يتقرّب به إلى الله من عبادة وعمل ، جعله أهلا لهذه المثوبة، وهذه البشرى .. فقال له سعد :
(( لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد ...
غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا )) .
هذا هو ((الأسد في براثنه )) كما وصفه عبد الرحمن بن عوف ..
وهذا هو الرجل الذي اختاره عمر ليوم القادسية العظيم ..
كانت كل مزاياه تتألق أمام بصيرة أمير المؤمنين وهو يختاره لأصعب مهمة تواجه الإسلام والمسلمين ..
* إنه مستجاب الدعوة .. إذا سأل الله النصر أعطاه إياه ..
* وإنه عفّ الطعمة .. عف اللسان .. عف الضمير ..
* وإنه واحد من أهل الجنة ، كما تنبأ له الرسول ..
* وإنه الفارس يوم بدر .. والفارس يوم أحد .. والفارس في كل مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
* وأخرى، لا ينساها ((عمر)) ولا يغفل عن أهميتها وقيمتها وقدرها بين لخصائص التي يجب أن تتوفر لكل من يتصدى لعظائم الأمور، تلك هي صلابة الإيمان ..
إن عمر لا ينسى نبأ سعد مع أمه يوم أسلم واتبع الرسول ..
يومئذ أخفقت جميع محاولات رده وصده عن سبيل الله .. فلجأت أمه إلى وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه إلى وثنية أهله وذويه ..
لقد أعلنت أمه صومها عن الطعام والشراب، حتى يعود سعد إلى دين آبائه وقومه، ومضت في تصميم مستميت تواصل إضرابها عن الطعام والشراب حتى أشرفت على الهلاك ..
كل ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيع إيمانه ودينه بشيء، حتى لو يكون هذا الشيء حياة أمه ..
وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله إليها ليلقي عليها نظرة وداع ؛ مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت ..
وذهب سعد .. ورأى مشهدا يذيب الصخر ..
بيد أن إيمانه بالله وبرسوله كان قد تفوّق على كل صخر، وعلى كل فولاذ، فاقترب بوجهه من وجه أمه ، وصاح بها لتسمعه :
(( تعلمين والله يا أمّه .. لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء ...
فكلي - إن شئت - أو لا تأكلي )) ..!!
وعدلت أمه عن عزمها .. ونزل الوحي يحيي موقف سعد، ويؤيده فيقول :
(( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا )) ..
أليس هو ((الأسد في براثنه)) حقا ..؟؟
إذن فليغرس أمير المؤمنين لواء القادسية في يمينه . وليرم به الفرس المجتمعين في أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدربين . المدججين بأخطر ما كانت تعرفه الأرض يومئذ من عتاد وسلاح .. تقودهم أذكى عقول الحرب يومئذ، وأدهى دهاتها ..
أجل .. إلى هؤلاء في فيالقهم الرهيبة . خرج سعد في ثلاثين ألف مقاتل لا غير ..
في أيديهم رماح .. مجرد رماح .. ولكن في قلوبهم إرادة الدين الجديد بكل ما تمثله من إيمان ، وعنفوان، وشوق نادر وباهر إلى الموت ، و إلى الشهادة ..!!!
والتقى الجمعان ...
ولكن . لا .. لم يلتق الجمعان بعد ..
وإن سعدا هناك ينتظر نصائح أمير المؤمنين عمر وتوجيهاته ... وها هو ذا كتاب ((عمر)) إليه يأمره فيه بالمبادرة إلى القادسية، فإنها - باب فارس - ويلقي على قلبه كلمات نور وهدى :
(( يا سعد بن وهيب ..
لا يغرّنّك من الله، إن قيل : خال رسول الله وصاحبه، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ... والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوء ... الله ربهم، وهم عباده .. يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة ... فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه، فالزمه، فانه الأمر ...)).
ثم يقول له :
(( اكتب إليّ بجميع أحوالكم ... وكيف تنزلون ..؟
وأين يكون عدوّكم منكم ...
واجعلني - بكتبك اليّ - كأني أنظر إليكم )) ..!!
الزهراء
05-24-2008, 04:36 PM
ويكتب سعد إلى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء حتى إنه ليكاد يحدد له موقف كل جندي ومكان ..
وينزل سعد القادسية، ويتجمّع الفرس جيشا وشعبا، كما لم يتجمعوا من قبل، ويتولى قيادة الفرس أشهر وأخطر قوّادهم ((رستم)) ..
ويكتب سعد إلى عمر، فيكتب إليه أمير المؤمنين :
(( لا يكربنّك ما تسمع منهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكل عليه ؛ وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد، يدعونه إلى الله ... واكتب إليّ في كل يوم ..)).
ويعود سعد فيكتب لأمير المؤمنين قائلا : ( إن ((رستم)) قد عسكر بـ ((ساباط)) وجرّ الخيول والفيلة ، وزحف علينا )) .
ويجيبه عمر مطمئنا مشيرا ...
إن سعدا الفارس الذكي المقدام، خال رسول الله، والسابق إلى الإسلام، بطل المعارك والغزوات، والذي لا ينبو له سيف، ولا يزيغ منه رمح .. يقف على رأس جيشه في إحدى معارك التاريخ الكبرى، ويقف وكأنه جندي عادي .. لا غرور القوة، ولا صلف الزعامة، يحملانه على الركون المفرط لثقته بنفسه .. بل هو يلجأ إلى أمير المؤمنين في المدينة وبينهما أبعاد وأبعاد، فيرسل له كل يوم كتابا، ويتبادل معه - والمعركة الكبرى على وشك النشوب - المشورة والرأي ...
ذلك أن سعدا يعلم أن عمر في المدينة لا يفتي وحده، ولا يقرر وحده .. بل يستشير الذين حوله من المسلمين ومن خيار أصحاب رسول الله .. وسعد لا يريد - برغم كل ظروف الحرب - أن يحرم نفسه، ولا أن يحرم جيشه، بركة الشورى وجدواها، و لا سيّما حين يكون بين أقطابها ((عمر)) الملهم العظيم ..
***
وينفذ سعد وصية عمر، فيرسل إلى ((رستم)) قائد الفرس نفرا من أصحابه يدعونه إلى الله وإلى الإسلام ..
ويطول الحوار بينهم وبين قائد الفرس، وأخيرا ينهون الحديث معه إذ يقول قائلهم :
(( إن الله اختارنا ليخرج بنا من يشاء من خلقه من الوثنية إلى التوحيد .. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الحكام الى عدل الإسلام ...
فمن قبل ذلك منا، قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن قاتلنا قاتلناه حتى نفضي إلى وعد الله ... )).
ويسأل رستم : وما وعد الله الذي وعدكم إياه ..؟؟
فيجيبه الصحابي :
(( الجنة لشهدائنا، والظفر لأحيائنا ..)).
ويعود الوفد إلى قائد المسلمين سعد، ليخبروه أنها الحرب ..
وتمتلىء عينا سعد بالدموع ..
لقد كان يود لو تأخرت المعركة قليلا، أو تقدمت قليلا .. فيومئذ كان مرضه قد اشتد عليه وثقلت وطأته .. وملأت الدمامل جسده حتى ما كان يستطيع أن يجلس، فضلا أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة بالغة الضراوة والقسوة ..!!
فلو أن المعركة جاءت قبل أن يمرض ويسقم، أو لو أنها استأخرت حتى يبل ويشفى، إذن لأبلى فيها بلاءه العظيم .. أما الآن .. ولكن، لا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم ألا يقول أحدهم : لو . لأن ((لو)) هذه تعني العجز، والمؤمن القوي لا يعدم الحيلة، ولا يعجز أبدا ..
عنئذ هب ((الأسد في براثنه )) ووقف في جيشه خطيبا، مستهلا خطابه بالآية الكريمة :
((بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ )) ..
وبعد فراغه من خطبته، صلى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبّرا أربعا : الله أكبر ... الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر ..
ودوّى الكون وأوّب مع المكبرين، ومد ذراعه كالسهم النافذ مشيرا إلى العدو، وصاح في جنوده : هيا على بركة الله ..
وصعد هو متحاملا على نفسه وآلامه إلى شرفة الدار التي كان ينزل بها ويتخذها مركزا لقيادته ... وفي الشرفة جلس متكئا على صدره فوق وسادة . باب داره مفتوح .. وأقل هجوم من الفرس على الدار يسقطه في أيديهم حيا أو ميتا .. ولكنه لا يرهب ولا يخاف ..
دمامله تنبح وتنزف، ولكنه عنها في شغل، فهو من الشرفة يكبر ويصيح .. ويصدر أوامره لهؤلاء : أن تقدّموا صوب الميمنة .. ولأولئك : أن سدوا ثغرات الميسرة .. أمامك يا مغيرة .. وراءهم يا جرير .. اضرب يا نعمان .. اهجم يا أشعث .. وأنت يا قعقاع .. تقدموا يا أصحاب محمد ..!!
وكان صوته المفعم بقوة العزم والأمل، يجعل من كل جندي فردا، جيشا بأسره ..
وتهاوى جنود الفرس كالذباب المترنّح .. و تهاوت معهم الوثنية وعبادة النار ..!!
وطارت فلولهم المهزومة بعد أن رأوا مصرع قائدهم وخيرة جنودهم، وطاردهم الجيش المسلم حتى (( نهاوند )) .. ثم ((المدائن)) فدخلوها ليحملوا إيوان كسرى وتاجه، غنيمة وفيئا ..!!
***
وفي موقعة ((المدائن)) أبلى سعد بلاء عظيما ..
وكانت موقعة المدائن، بعد موقعة القادسية بقرابة عامين - جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين، حتى تجمعن كل فلول الجيش الفارسي وبقاياه في المدائن نفسها، متأهبة لموقف أخير وفاصل ...
وأدرك ((سعد)) أن الوقت سيكون بجانب أعدائه. فقرر أن يسلبهم هذه المزية .. ولكن أنّى له ذلك وبينه وبين المدائن نهر دجلة في موسم فيضانه وجيشانه ..
هنا موقف يثبت فيه ((سعد)) أنه حقا كما وصفه عبد الرحمن بن عوف ((الأسد في براثنه)) ..!!
إن إيمان ((سعد)) وتصميمه ليتألقان في وجه الخطر، ويتسوّران المستحيل في استبسال عظيم ..!!
وهكذا ، أصدر ((سعد)) أمره إلى جيشه بعبور نهر دجلة .. وأمر بالبحث عن ((مخاضة)) في النهر تمكّن من هذا العبور .. وأخيرا عثروا على مكان لا يخلو عبوره من المخاطر البالغة ..
وقبل أن يبدأ الجيش عملية العبور فطن القائد ((سعد)) إلى وجوب تأمين مكان الوصول على الضفة الأخرى التي يرابط العدو حولها .. وعندئذ جهز كتيبتين ..
الأولى : و أطلقوا عليها (( كتيبة الأهوال)) وأمّر(( سعد)) عليها ((عاصم بن عمرو)) ، والثانية و اسمها ((الكتيبة الخرساء)) وأمّر عليها (( القعقاع بن عمرو )) ..
وكان على جنود هاتين الكتيبتين أن يخوضوا الأهوال لكي يفسحوا على الضفة الأخرى مكانا آمنا للجيش العابر على أثرهم .. ولقد أدوا عملهم بمهارة مذهلة ..
ونجحت خطة ((سعد)) يومئذ نجاحا يذهل له المؤرخون ..
نجاحا أذهل سعد بن أبي وقاص نفسه ..
وأذهل صاحبه ورفيقه في المعركة ((سلمان الفارسي)) الذي أخذ يضرب كفا بكف دهشة وغبطة، ويقول :
(( إن الإسلام جديد ..
ذلّلت والله لهم البحار، كما ذلّل لهم البرّ ..
والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجا، كما دخلوه أفواحا )) ..!!
ولقد كان ... وكما اقتحموا نهر دجلة أفواجا، خرجوا منه أفواجا لم يخسروا جنديا واحدا، بل لم تضع منهم شكيمة فرس ..
ولقد سقط من أحد المقاتلين قدحه، فعز عليه أن يكون الوحيد بين رفاقه الذي يضيع منه شيء، فنادى في أصحابه ليعاونوه على انتشاله، ودفعته موجة عالية إلى حيث استطاع بعض العابرين التقاطه ..!!
وتصف لنا إحدى الروايات التاريخية، روعة المشهد وهم يعبرون دجلة، فتقول :
[أمر سعد المسلمين أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل .. ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس وراءه، لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين، ولم يعد وجه الماء يرى من أفواج الفرسان والمشاة، وجعل الناس يتحدثون وهم يسيرون على وجه الماء كأنهم يتحدون على وجه الأرض؛ وذلك بسبب ما شعروا به من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ونصره ، ووعده وتأييده] ..!!
ويوم ولى عمر سعدا إمارة العراق، راح يبني للناس ويعمّر. كوّف الكوفة، وأرسى قواعد الإسلام في البلاد العريضة الواسعة ..
وذات يوم شكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين .. لقد غلبهم طبعهم المتمرّد القلق ، فزعموا زعمهم المضحك .. قالوا : (( إن سعدا لا يحسن يصلي )) ..!!
ويضحك ((سعد)) من ملء فمه، ويقول :
(( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله .. أطيل في الركعتين الأوليين، وأقصر في الأخريين )) ..
ويستدعيه عمر إلى المدينة، فلا يغضب، بل يلبي نداءه من فوره ..
وبعد حين يعتزم عمر إرجاعه الى الكوفة ، فيجيب سعد ضاحكا :
(( أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة )) .؟؟!!
ويؤثر البقاء في المدينة ..
وحين اعتدي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه، اختار من بين أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم ستة رجال، ليكون إليهم أمر الخليفة الجديد قائلا إنه اختار ستة مات رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو عنهم راض .. وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص.
بل يبدو من كلمات ((عمر)) الأخيرة، أنه لو كان مختارا لخلافة واحدا من الصحابة لاختار سعدا.
فقد قال لأصحابه وهو يوصيهم و يودعهم :
(( إن وليها سعد فذاك ...
وإن وليها غيره فليستعن بسعد )).
***
ويمتد العمر بسعد ... وتجيء الفتنة الكبرى، فيعتزلها .. بل يأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئا من أخبارها ...
وذات يوم تشرئب الأعناق نحوه، ويذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ويقول له :
- يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر.
فيجيبه سعد :
(( أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا ... إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، واذا ضربت به الكافر قطع )) ...!!
ويدرك ابن أخيه غرضه، ويتركه في عزلته وسلامه ..
وحين انتهى الأمر لمعاوية، واستقرت بيده مقاليد الحكم سأل سعدا :
- مالك لم تقاتل معنا ...؟؟
فأجابه :
(( إني مررت بريح مظلمة، فقلت: أخ ... أخ ..
و أنخت راحلتي حتى انجلت عني ..)).
فقال معاوية : ليس في كتاب الله أخ .. أخ .. ولكن قال الله تعالى :
(( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ)).
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية.
أجابه سعد قائلا :
(( ما كنت لأقاتل رجلا ـ يعني علي بن أبي طالب ـ قال له رسول الله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )).
***
وذات يوم من أيام الرابع والخمسين للهجرة، وقد جاوز سعد الثمانين، كان هناك في داره بالعقيق يتهيأ للقاء الله.
ويروي لنا ولده لحظاته الأخيرة فيقول :
[ كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي، فبكيت فقال:
ما يبكيك يا بنيّ ...؟؟
إن الله لا يعذبني أبدا ... وإني من أهل الجنة ] ...!!
إن صلابة إيمانه لا يوهنها حتى رهبة الموت وزلزاله.
ولقد بشره الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أوثق إيمان... وإذن ففيم الخوف ..؟
[ إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة].
بيد أنه يريد أن يلقى الله وهو يحمل أروع وأجمل تذكار جمعه بدينه ووصله برسوله ... ومن ثمّ فقد أشار إلى خزانته ففتوحها، ثم أخرجوا منها رداء قديما قي بلي وأخلق. ثم أمر أهله أن يكفنوه فيه قائلا :
[ لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذا اليوم] ...!!
أجل، إن ذلك الثوب الخلق ، لم يعد مجرّد ثوب .. إنه العلم الذي يخفق فوق حياة مديدة شامخة عاشها صاحبها مؤمنا، صادقا، شجاعا !!
وفوق أعناق الرجال حمل إلى المدينة جثمان آخر المهاجرين وفاة، ليأخذ مكانه في سلام إلى جوار ثلة طاهرة عظيمة من رفاقه الذين سبقوه إلى الله، ووجدت أجسامهم الكادحة مرفأ لها في تراب البقيع وثراه.
***
وداعا ، يا سعد ..!!
وداعا ، بطل القادسية، وفاتح المدائن، ومطفىء النار المعبودة في فارس إلى الأبد ..!!
كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم
النامي
05-25-2008, 10:16 AM
اختي الزهراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وفقكي الله حيثما كنتي وانار الله دربك بالايمان وجزاك الله خيرا على ماكتبتيه وان يجعله في ميزان حسناتك
الزهراء
06-10-2008, 04:16 PM
اختي الزهراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وفقكي الله حيثما كنتي وانار الله دربك بالايمان وجزاك الله خيرا على ماكتبتيه وان يجعله في ميزان حسناتك
أخي النامي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا و فرج الله همك و غفر الله ذنبك و رزقك الله من حيث لا تحتسب
الزهراء
06-18-2008, 12:42 PM
صهيب بن سنان
- ربح البيع أبا يحيى!! -
ولد في أحضان النعيم...
فقد كان أبوه حاكم ((الأبلّة)) ووليا عليها لكسرى.. وكان من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهد طويل، وفي قصره القائم على شاطئ الفرات ، مما يلي الجزيرة والموصل، عاش الطفل ناعما، سعيدا..
وذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم... وأسر المغيرون أعدادا كثيرة وسبوا ذلك الغلام (( صهيب بن سنان)) ...
ويقتنصه تجار الرقيق، وينتهي طوافه إلى مكة, حيث بيع لعبد الله بن جدعان, بعد أن قضى طفولته وشبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم.
ويعجب سيده بذكائه ونشاطه وإخلاصه. فيعتقه ويحرره، ويهيئ له فرصة الاتجار معه.
وذات يوم... ولندع صديقه ((عمار بن ياسر)) يحدثنا عن ذلك اليوم:
(( لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها...
فقلت له: ماذا تريد..؟
فأجابني : وما تريد أنت ..؟
قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول.
قال: وأنا أريد ذلك..
فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا.
ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا...
ثم خرجنا، ونحن مستخفيان)).!!
عرف صهيب إذن طريقه إلى دار الأرقم...
عرف طريقه إلى الهدى والنور وأيضا إلى التضحية الشاقة والفداء العظيم...
فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطي عتبة... بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره ..!
عالم قديم، بكل ما يمثله من دين وخلق ، ونظام وحياة .. يتخطاه إلى عالم جديد بكل ما يمثله من دين وخلق ، ونظام ، وحياة ..
وتخطي عتبة دار الأرقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني - في حقيقة الأمر وواقعه- عبور خضمّ من الهول.. واسع، وعريض ...
واقتحام تلك العقبة، أعني تلك العتبة، كان إيذانا بعهد زاخر بالمسؤوليات الجسام...!
وبالنسبة للفقراء، والغرباء، والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.
وإن صاحبنا ((صهيبا)) لرجل غريب ... وصديقه الذي لقيه على باب الدار (( عمّار بن ياسر)) رجل فقير... فما بالهما يستقبلان الهول ويشمّران سواعدهما لملاقاته..؟؟
إنه نداء الإيمان الذي لا يقاوم...
وإنها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يملأ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا...
وإنها روعة الجديد المشرق. تبهر عقولا سئمت عفونة القديم، وضلاله وإفلاسه..
وإنها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء ... وهداه يهدي إليه من ينيب ...
***
أخذ ((صهيب)) مكانه في قافلة المؤمنين ...
وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين..!!
ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين ...
وإنه ليتحدث صادقا عن ولائه العظيم لمسؤولياته كمسلم بايع الرسول، وسار تحت راية الإسلام، فيقول:
(( لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط ، إلا كنت حاضره ...
ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها ...
ولا يسر سرية قط. إلا كنت حاضرها...
ولا غزا غزاة قط ، أوّل الزمان وآخره، إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله...
وما خاف -المسلمون- أمامهم قط ، إلا كنت أمامهم ...
ولا خافوا، وراءهم ، إلا كنت وراءهم ...
وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدوّ أبدا حتى لقي ربه)) ...!!!
هذه صورة باهرة لإيمان فذ، وولاء عظيم ...
ولقد كان ((صهيب)) رضي الله عنه وعن إخوانه أجمعين، أهلا لهذا الإيمان المتفوق من أول يوم استقبل فيه نور الله ، ووضع يمينه في يمين رسوله ..
يومئذ، أخذت علاقاته بالناس ، وبالدنيا، بل وبنفسه، طابعا جديدا. يومئذ. امتشق نفسا صلبة، زاهدة متفانية. وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها.. والأهوال فيروّعها.
ولقد مضى ـ كماحدثنامن قبل ـ يواجه تبعاته في إقدام وجسور.. فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر.. منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم إلى المغارم.. وعن شهوة الحياة ، إلى عشق الخطر وحب الموت..
ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته، ففي ذلك اليوم تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكة.. تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشب جلالها تردد ولا نكوص.
فعندما همّ الرسول بالهجرة، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة، هم الرسول.. وأبو بكر.. وصهيب ..
بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول ..
ووقع ((صهيب)) في بعض فخاخهم، فعوّق عن الهجرة بعض الوقت بينما كان الرسول وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله ..
وحاور ((صهيب)) وداور، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه، وامتطى ظهر ناقته، وانطلق يقطع بها الصحراء وثبا..
بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوه .. ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا :
(( يا معشر قريش ...
لقد علمتم أني من أرماكم رجلا ... وايم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم ...
وإن شئتم دللتكم على مالي ، وتتركوني وشاني )) ..
ولقد استاموا لأنفسهم، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له:
- أتيتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت ، والآن تنطلق بنفسك وبمالك ..؟؟
فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، وقفلوا إلى مكة راجعين ..
والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك ، وفي غير حذر فلم يسألوه بيّنة.. بل ولم يستحلفوه على صدقه..!! وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من العظمة يستحقها كرجل صادق وأمين ..!!
واستأنف ((صهيب)) هجرته وحيدا سعيدا، حتى أدرك الرسول عليه الصلاة و السلام في ((قباء)) ...
كان الرسول جالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم ((صهيب)) ، ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللا :
(( ربح البيع أبا يحيى..!! ربح البيع أبا يحيى )) ..!!
وآنئذ، نزلت الآية الكريمة:
(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ)
أجل ، لقد اشترى ((صهيب)) نفسه المؤمنة بكل ثروته التي أنفق في جمعها شبابه ، كل شبابه.. ولم يحس قط أنه المغبون.
فماالمال ، وما الذهب ، وما الدنيا كلها، إذا بقي له إيمانه، وإذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره إرادته..؟؟
كان الرسول يحبه كثيرا.. وكان ((صهيب)) إلى جانب ورعه وتقواه، خفيف الروح ، حاضر النكتة ..
رآه الرسول يوما يأكل رطبا، وكان بإحدى عينيه رمد..
فقال له الرسول ضاحكا: (( أتأكل الرطب وفي عينك رمد))..؟
فأجاب قائلا : (( وأي بأس ..؟ إني آكله بعيني الأخرى ))..!!
وكان جوّادا معطاء .. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله ، يعين محتاجا.. يغيث مكروبا.. (( ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا )).
حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه ((عمر)) فقال له: أراك تطعم كثيرا حتى إنك لتسرف ..؟
فأجابه ((صهيب)) لقد سمعت رسول الله يقول:
(( خياركم من أطعم الطعام )) ..
***
ولئن كانت حياة ((صهيب)) مترعة بالمزايا والعظائم، فإن اختيار عمر بن الخطاب إياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة..
فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر..
وعندما أحس نهاية الأجل ، فراح يلقي على أصحابه وصيته وكلماته الأخيرة قال:
(( وليصلّ بالناس صهيب ))...
لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل إليهم أمر اختيار الخليفة الجديد..
وخليفة المسلمين ، هو الذي يؤمهم في صلواتهم .. ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، من يؤم المسلمين في الصلاة ..؟
إن ((عمر)) وخصوصا في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها إلى الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار.. فإذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار..
ولقد اختار عمر صهيبا..
اختاره ليكون إمام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد.. بأعباء مهمته..
اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح ((صهيب بن سنان)) ..
كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم
منسدح يعسل
06-18-2008, 12:51 PM
اللهم اني اصلي و اسلم عليك يارسول الله ..
بوركت يا أختي .. وجعله الله في موازين حسناتك
الزهراء
06-18-2008, 01:06 PM
اللهم اني اصلي و اسلم عليك يارسول الله ..
بوركت يا أختي .. وجعله الله في موازين حسناتك
جزاك الله خيرا أخي جعل الله الفردوس الأعلى مثواك
زاد الله علما نافعا ووفقك الله لما يحب و يرضى
تركي الدملوكي
06-18-2008, 03:22 PM
اختي
جزاكي الله كل خير وجعله الله في موازين حسناتك ورحم الله والديك
الزهراء
06-18-2008, 03:57 PM
اختي
جزاكي الله كل خير وجعله الله في موازين حسناتك ورحم الله والديك
جزاك الله خيرا أخي تركي الدملوكي
رزقك الله الفردوس الأعلى ووفقك الله لما يحب و يرضى
و رحم الله والديك و آباء المسلمين
الزهراء
06-28-2008, 12:05 AM
معَاذ بن جبَل
- أَعْلَمُهُم بِالْحَلالِ والْحَرام -
عندما كان الرسول عليه السلام يبابع الأنصار بيعة العقبة الثانية. كان يجلس بين السبعين الذين يتكوّن منهم وفدهم، شاب مشرق الوجه، رائع النظرة، برّاق الثنايا.. يبهر الأبصار بهدوئه وسَمْتِه. فإذا تحدَّث ازدادت الأبصار انبهارًا..!!
ذلك كان ((مُعَاذُ بن جَبَل)) رضي الله عنه..
هو إذن رجل من الأنصار، بايع يوم العقبة الثانية، فصار من السابقين الأولين..
ورجل له مثل أسبقيته، ومثل إيمانه ويقينه، لا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في مشهد ولا في غزاة. وهكذا صنع معاذ..
على أن آلق مزاياه، وأعظم خصائصه - كان فقهه..
بلغ من الفقه والعلم المدى الذي جعله أهلاً لقول الرسول عنه:
(( أَعْلَمُ أُمَّتي بالحلالِ والحرام ، مُعاذُ بن جَبَل ))..
وكان شبيه عمر بن الخطاب في استنارة عقله، وشجاعة ذكائه. سأله الرسول حين وجَّهه إلى اليمن:
(( بمَ تقضي يا مُعاذُ ))؟
فأجابه قائلاً:
(( بكتاب اللهِ)) ...
قال الرسول:
(( فإن لم تَجِدْ في كتابِ اللهِ )) ..؟؟
قال معاذ :
((أقْضِي بسُنَّة رسوله ))..
قال الرسول:
(( فإن لم تَجِدْ في سُنَّةِ رسوله )) ..؟؟
قال معاذ:
(( أَجْتَهِدُ رأيي، لا آلُو )) ...
فتهلل وجه الرسول وقال:
(( الحمُد للهِ الذي وَفّقَ رسولَ رسولِ الله لِما يُرْضِي رسولَ اللِه )).
فَولاءُ ((معاذ)) لكتاب الله ، ولسُنَّة رسوله لا يحجب عقله عن متابعة رؤاه، ولا يحجب عن عقله تلك الحقائق الهائلة المستسِرَّة، التي تنتظر من يكتشفها ويواجهها.
ولعل هذه القدرة على الاجتهاد، والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل، هما اللتان مكَّنتا معاذا من ثرائه الفقهي الذي فاق به أقرانه وإخوانه، صار كما وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام (( أعلم الناس بالحلال والحرام)).
وإن الروايات التاريخية لتصوره - حيثما كان - العقل المضيء الحازم الذي يحسن الفصل في الأمور..
فهذا ((عائذ الله بن عبدالله )) يحدثَّنا أنه دخل المسجد يوماً مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خلافة عمر..قال:
(( فجلستُ مجلساً فيه بضعٌ وثلاثون، كلهم يَذْكُرون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة، حلو المنطق، وضيء، وهو أَشَبُّ القوم سِنًّا، فإذا اشتبه عليهم من الحديث شيء رَدُّوهُ إليه فَأَفْتَاهُمْ، ولا يحدَّثهم إلاّ حِينَ يسألُونَهُ، ولمّا قُضِيَ مجلسهم دَنَوْتُ منه وسَأَلْتُهُ: مَنْ أنتَ يا عبد الله؟؟ قال: أنا مُعاذ بن جبل )).
وهذا أبو مسلم الخولاني يقول:
(( دخلتُ مسجد ((حمص)) فإذا جماعة من الكهول يتوسَّطُهُم شاب بَرَّاق الثنايا، صامت لا يتكلم.. فإذا امْتَرَى القومُ في شيء تَوَجَّهُوا إليه يسألونَهُ .. فقلتُ لجليس لي: منْ هذا..؟ قال: مُعَاذُ بن جَبَل .. فوقع في نفسي حُبُّه )).
وهذا شهر بن حَوْشَب يقول:
(( كان أصحاب رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا تحدثَّوا وفيهم مُعَاذ بن جَبَل، نظروا إليه هيبةً له ))..
ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يستشيره كثيراً ..
وكان يقول في بعض المواطن التي يستعين بها برأي معاذ وفقهه:
(( لولا مُعَاذ بن جَبَل لَهَلَكَ عمر ))..
ويبدو أن معاذاً كان يمتلك عقلاً أحسن تدريبه، ومنطقا آسراً مقنعاً، ينساب في هدوء وإحاطة..
فحيثما نلتقيه به من خلال الروايات التاريخية عنه، نجده كما أسلفنا واسط العِقْد..
فهو دائماً جالس والناس حوله..
وهو صموت، لا يتحدث إلا على شوق الجالسين إلى حديثه..
وإذا اختلف الجالسون في أمر، أعادوه إلى معاذ ليفصل فيه..
فإذا تكلم، كان كما وصفه أحد معاصريه:
(( كأنما يخرج من فمه نورٌ ولُؤلُؤ )) ...
ولقد بلغ كل هذه المنزلة في علمه، وفي إجلال المسلمين له، أيام الرسول وبعد مماته، وهو شاب.. فلقد مات مُعَاذ في خلافة عمر ولم يجاوز من العمر ثلاثاً وثلاثين سنة ..!!
وكان ((معاذ)) سَمْح اليد، والنفس، والخلق..
فلا يسأل عن شيء إلا أعطاه جزلان مغتبطاً.. ولقد ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله.
ومات الرسول صلى الله عليه وسلم. ومعاذ باليمن منذ وجّهه النبي إليها يعلِّم المسلمين ويفقِّههم في الدين ..
وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن، وكان عمر قد علم أن معاذاً أثرى .. فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله ..!! ولم ينتظر عمر، بل نهض مسرعاً إلى دار معاذ وألقى عليه مقالته..
كان ((معاذ)) طاهر الكفّ، طاهر الذمة، ولئن كان قد أثري، فإنه لم يكتسب إثماً، ولم يقترف شبهة ومن ثم فقد رفض عرض عمر، وناقشه رأيه ..
وتركه عمر وانصرف..
وفي الغداة، كان معاذ يطوي الأرض حثيثاً شطر دار عمر..
ولا يكاد يلقاه.. حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول:
(( لقد رأيتُ الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت وخلصتني يا عمر ))..
وذهبا معاً إلى أبي بكر.. وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله، فقال أبو بكر: (( لا آخذ منك شيئاً ))..
فنظر عمر إلى معاذ وقال: (( الآن، حَلَّ وطاب ))..
ما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهماً واحداً، لو علم أنه أخذه بغير حقّ..
وما كان عمر متجنياً على معاذ بتهمة أو ظن..
وإنما هو ((عصر المُثُل)) كان يزخر بقوم يتسابقون إلى ذُرَى الكمال الميسور، فمنهم الطائر المحلِّق، ومنهم المهرول، ومنهم المقتصد.. ولكنهم جميعاً في قافلة الخير سائرون.
***
ويهاجر ((معاذ)) إلى الشام، حيث يعيش بين أهلها والوافدين عليها معلماً وفقيهاً، فإذا مات أميرها أبو عبيدة الذي كان الصديق الحميم لمعاذ، استخلفه أمير المؤمنين عمر على الشام، ولا يمضي عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه مخبتاً منيباً...
وكان عمر رضي الله عنه يقول:
(( لو اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذ بن جَبَل، فسألني ربي: لماذا اسْتَخْلَفْتَه؟ لقلت: سمعتُ نبيَّك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وَجَلَّ ، كان مُعَاذٌ بين أيديهم))..
والاستخلاف الذي يعنيه عمر هنا، هو الاستخلاف على المسلمين جميعاً، لا على بلد أو ولاية..
فلقد سئل عمر قبل موته: لو عهدت إلينا..؟ أي اخترت خليفتك بنفسك وبايعناك عليه..
فأجاب قائلا:
(( لو كان مُعَاذُ بن جبل حَيًّا، ووَلَّيْته، ثم قَدِمْتُ على ربي عزَّ وجلَّ، فسألني: مَن وَلّيْتَ عَلَى أُمّة محمد، لقلْت: ولَّيتُ عليهم مُعَاذ بن جبل، بعد أن سمعت النبي يقول: مُعَاذ بن جبل إمامُ العلمَاء يوم القيامة )).
***
قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوما:
((يا مُعَاذ.. والله إني لأُحِبُّكَ فلا تَنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك ))..
أجل.. اللهم أَعِنِّي.. فقد كان الرسول عليه الصلاة و السلام دائب الإلحاح على هذا المعنى العظيم الذي يدرك الناس به أنه لا حول لهم ولا قوة، ولا سند ولا عون إلا بالله، ومن الله العلي العظيم..
ولقد حَذِقَ مُعَاذ الدرس وأجاد تطبيقه..
لَقِيَهُ الرسول ذات صباح فسأله:
((كيف أصبحت يامُعَاذ ))..؟؟
قال:
(( أصبحتُ مؤمناً حقاً يا رسول الله )).
قال النبي:
((إن لكل حقّ حقيقة، فما حقيقةُ إيمانك ))..؟؟
قال معاذ:
((ما أصبحتُ صباحاً قطّ ، إلا ظننت أني لا أُمْسِي.. ولا أَمْسَيْتُ مساء إلا ظَننتُ أني لا أُصبح..
ولا خطوتُ خطوة إلا ظننتُ أني لا أتْبِعُها غيرها..
وكأني أنظرُ إلى كل أُمَّة جاثية تُدْعَى إلى كِتَابها..
وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمُون..
وأهلَ النار في النار يُعَذَّبُون...))
فقال له الرسول:
(( عرفتَ فالزمْ ))..
أجل .. لقد أسلم ((مُعَاذ)) كل نفسه وكل مصيره للهِ, فلم يَعُد يبصر شيئاً سواه..
ولقد أجاد ابن مسعود وصفه حين قال:
((إن ((مُعَاذا)) كان أُمَّةً، قَاِنتًا للهِ حَنِيفًا، ولقد كُنَّا نُشَبِّه مُعَاذاً بإبراهيم عليه السلام ))...
وكان ((معَاذ)) دائب الدعوة إلى العلم، وإلى ذكر الله..
وكان يدعو الناس إلى التماس العلم الصحيح النافع ويقول:
((احذروا زَيْغ الحكيم..
واعرفوا الحقَّ بالحقِّ، فإن للحقِّ نوراً ))..!!
وكان يرى العبادة قصداً، وعدلاً..
قال له يوماً أحد المسلمين: علّمني.
فسأله معاذ: وهل أنت مطيعي إذا علمتك..؟؟
قال الرجل: إني على طاعتك لحريص..
فقال له معاذ:
(( صُمْ ، وأَفْطِر..
وصَلِّ ، ونَمْ..
واكتَسِبْ ، ولا تأثَمْ..
ولا تموتنَّ إلا مُسْلِماً..
وإياك ودَعْوَة المظلوم ))..
وكان يرى العلم معرفة، وعملاً .. فيقول:
((تعلَّموا ما شئتم أن تَتَعلّموا، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تَعْمَلُوا ))..
وكان يرى الإيمان بالله وذكره - استحضاراً دائماً لعظمته، ومراجعة دائمة لسلوك النفس.
يقول الأسود بن هلال:
(( كُنَّا نمشي مع مُعَاذ، فقال لنا: اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة ))..
ولعل سبب صمته الكثير كان راجعا إلى عملية التأمل والتفكر التي لا تهدأ ولا تكفّ داخل نفسه.. هذا الذي كان كما قال للرسول: لا يخطو خطوة، ويظن أنه سيتبعها بأخرى.. وذلك من فرط استغراقه في ذكره رَبَّه، واستغراقه في محاسبته نفسَه..
***
وحان أجل معاذ. ودُعِي للقاء الله...
وفي سكرات الموت تنطلق عن اللاشعور حقيقة كل حيّ، وتجري على لسانه - إن استطاع الحديث - كلمات تلخص أمره وحياته..
وفي تلك اللحظات قال معاذ كلمات عظيمة تكشف عن مؤمن عظيم.
فقد كان يحدق في السماء ويقول مناجياً ربه الرحيم:
((اللهمَّ إني كُنتُ أخافك، لكنني اليوم أرجوك، اللهمَّ إنك تعلم أنِّي لم أكُن أحِبُّ الدنيا لجري الأنهار، ولا لِغَرْسِ الأشجار... ولكن لظمأ الهواجر ومُكَابدة الساعات، ونَيْلِ المزيد من العلم والإيمان والطاعة ))...
وبسَط يمينه كأنه يصافح الموت، وراح في غيبوبته يقول:
(( مرحباً بالموت..
حبيبٌ جاء عَلَى فاقَة ))..
***
وسافر ((معاذ)) إلى الله...
كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم
الزهراء
07-27-2008, 08:53 PM
المقداد بن عمرو
- أَوَّلُ فُرْسانِ الإسْلام -
تحدث عنه أصحابه ورفاقه ، فقالوا:
(( أوَّلُ من عَدَا بهِ فَرَسُه في سبيل الله ، المِقْدادُ بن الأسود ))...
والمقداد بن الأسود، هو بطلنا هذا ((المِقْدادُ بن عَمْرو)) كان قد حالف في الجاهلية ((الأسود بن عبد يغوث)) فتبناه ، فصار يدعى ((المقداد بن الأسود )) ، حتى إذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني ، نُسِب لأبيه ((عمرو بن سعد )) ..
والمقداد من المبكِّرين بالإسلام، وسابع سبعة جاهروا بإسلامهم وأعلنوه، حاملاً نصيبه من أذى قريش ونقمتها، فيه شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!!
ولسوف يظل موقفه يوم ((بدر)) لوحة رائعة لا يَنْصُلُ بهاؤها ..
موقف شامخ ، تمنّى كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم..
يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:
(( لقد شهدتُ من المقداد مشهداً ، لأَنْ أكُونَ صاحبَهُ ، أحبّ إليَّ مما في الأرض جميعاً )).
في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا .. حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد وإصرارها العنيد ، وخيلائها وكبريائها..
في ذلك اليوم ، والمسلمون قلة ، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الإسلام ، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..
ووقف الرسول يَعجُم إيمان الذين معه ، ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مُشاتِه وفرسانه..
وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي ، فانه يفعل ذلك حقًّا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه ، وحقيقة رأيه ، فإن قال قائلهم رأياً يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها ، فلا حرج عليه ولا تثريب..
ولقد خشي ((المقداد)) أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات.. وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة ، ويسهم في تشكيل ضميرها..
ولكنه قبل أن يحرِّك شفتيه ، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم ، فاطمأن المقداد كثيراً.. وقال أبو بكر فأحسن .. وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن.
ثم تقدم المقداد وقال:
(( يا رسُولَ الله ..
امْضِ لِما أراكَ الله ، فَنحنُ معك...
واللهِ لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :
اذهب أنتَ وربُّكَ فَقَاتِلاَ ، إنّا ها هُنَا قاعِدُون..
بل نقولُ لك: اذهبْ أنتَ وربُّك فَقَاتِلاَ إنّا معكما مُقَاتِلون..!!
والذي بَعَثَكَ بالحقّ ، لو سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغِماد لَجالَدْنا معك مِنْ دونه حتى تَبلُغه. ولَنُقَاتِلَنَّ عن يمينك ، وعن يسارك ، وبين يديك ، ومِنْ خَلْفك حتى يَفْتَح الله لك ))... انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتهلل وجه الرسول وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسَرَتْ في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاصلة التي أطلقها ((المقداد بن عمرو)) والتي حددت بقوَّتها وإقناعها نوع القول لمن أراد قولاً.. وطراز الحديث لمن يريد حديثاً..!!
أجل ، لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال:
(( يا رَسُولَ الله ...
لقد آمنَّا بك وصَدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق ...
وأعطيناك على ذلك عُهودنا ومَوَاثِيقنا، فامْضِ يا رَسُولَ الله لِما أردتَ، فنحنُ معك ... والذي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا هذا البحرَ فَخضْتَهُ لخضناهُ معك، ما تخلَّف مِنَّا رجلٌ واحد، وما نَكْرَهُ أن تَلْقى بنا عَدُوَّنا غداً..
إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللِّقاء.. ولعلَّ الله يُرِيكَ منا ما تقرُّ به عَينكَ ... فَسِرْ على بركة الله ))...
وامتلأ قلب الرسول بِشراً..
وقال لأصحابه:
(( سِيروا ، وأَبْشِرُوا ))..
والتقى الجمعان...
وكان فرسان المسلمين يومئذٍ ثلاثة لا غير: ((المقداد بن عمرو)) ، و ((مرثد بن أبي مرثد )) ، و ((الزبير بن العوّام)) ، بينما كان بقية المجاهدين مشاة ، أو راكبين إبلاً..
***
إن كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل، لا تصوِّر شجاعته فحسب ، بل تصوِّر لنا حكمته الراجحة ، وتفكيره العميق..
وكذلك كان المقداد..
كان حكيماً ، أريباً ، ولم تكن حمته تعبِّر عن نفسها في مجرَّد كلمات ، بل هي تعبِّر عن نفسها في مبادئ نافذة، وسلوك قويم مُطَّرِد. وكانت تجاربه قوتاً لحكمته ورياً لفطنته..
ولاّه الرسول عليه السلام إحدى الإمارات يوما، فلمّا رجع سأله النبي:
(( كيفَ وجدتَ الإمارة ))..؟؟
فأجاب في صدق عظيم:
(( لقد جَعَلتني أنظُرُ إلى نفسي كما لو كُنتُ فوق الناس، وهم جميعاً دُوني....
والذي بعثكَ بالحقّ، لا أَتَأَمَّرَن على اثنين بعد اليوم، أبداً))..
وإذا لم تكن هذه الحكمة ، فماذا تكون ..؟؟
وإذا لم يكن هذا هو الحكيم .. فمن يكون..؟؟
رجل لا يخدع عن نفسه ، ولا عن ضعفه..
يلي الإمارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنبها مظانه ، وليرفضن الإمارة بعد تلك التجربة ويتحاماها.. ثم يبرّ بقسمه فلا يكون أميراً بعد ذلك أبداً..!!
لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هو ذا:
(( إن السعيدَ لَمَنْ جُنِّب الِفتن))...
وإذا كان قد رأى في الإمارة زهواً يفتنه، أو يكاد يفتنه، فإن سعادته إذن في تجنُّبها..
ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال..
وهذه أيضاً تعلَّمها من رسول الله.. فقد علَّمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلباً من القِدر حين تغلي..
وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس إلى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟
وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله إلينا أحد أصحابه وجلسائه ، يقول:
((جلسْنا إلى المِقْدَادِ يوماً ، فمرّ به رجل ...
فقال مخاطباً المِقْدَاد: طوبى لهاتين العينين اللتين رَأتَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ...
واللهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فأقبلَ عليه المقداد وقال:
(( ما يَحْمِلُ أحدكم على أن يتمَنَّى مشهداً غَيَّبَه الله عنه، لا يدري لو شهدَهُ كيف كان يصيرُ فيه؟؟ واللهِ ، لقد عاصَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوامٌ كَبَّهُمُ الله عزَّ وجلَّ عَلَى مناخِرِهم في جهنم ... أوَ لاَ تحمدون الله الذي جَنَّبَكم مِثْلَ بلائهم ، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيِّكم ))..
حكمة ... وأيةٌ حكمة ..!!
إنك لا تلتقي بمؤمناً يحب الله ورسوله، إلا وتجده يتمنّى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..!
ولكنّ بصيرة ((المقداد)) الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..
ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم..؟
ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين..؟؟
وأليس من الخير إذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقر فيها الإسلام، فأخذه صَفْوًا عَفْوًا..؟؟
هذه نظرة المقداد، تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه، وتجاربه، وكلماته، كان الأريبَ الحكيم.
***
وكان حب المقداد للإسلام عظيماً..
وكان إلى جانب ذلك، واعياً حكيماً..
والحب حين يكون عظيماً وحكيماً، فانه يجعل من صاحبه إنساناً علياً ، لا يجد غبطةَ هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..
والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..
فحبُّه الرسولَ. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تُسمع في المدينة فزعة، إلا ويكون المقداد في مثل لمح البصر ، واقفا على باب رسول الله ممتطياً صهوة فرسه، ممتشقاً مُهَنَّدَهُ وحسامه..!!
وحبه الإسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الإسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..
خرج يوماً في سَرِيَّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحِط بالأمر خُبْراّ، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، لعله لا يستحقها على الإطلاق..
فمرّ المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث ..
فأخذ المقداد بيمينه. ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:
(( والآن أَقِدْهُ من نفسك ...
ومَكِّنْهُ مِنَ القصاص ))...!!
وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح ، وانتشى ((المقداد)) بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني:
(( لأمُوتَنَّ ، والإسلامُ عزيز)) ...!!
أجل .. تلك كانت أمنيته ، أن يموت والإسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلاً لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام:
((إن الله أمرني بحُبِّك ...
وأنبأني أنه يُحبك ))..
***
كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم
مشعل الهميعي
07-30-2008, 07:29 AM
مشكوره اختي على الموضوع المفيد وبصراحه اعجبني
الزهراء
08-01-2008, 01:49 PM
مشكوره اختي على الموضوع المفيد وبصراحه اعجبني
جزاكم الله خيرا أخي مشعل الهميعي
وفقكم الله لما يحب و يرضى و زادكم الله علما نافعا
ماجد السلمي
08-20-2008, 10:02 AM
بارك الله فيك
ونفع بك
بالتوفيق ان شاء الله
عبدالرحمن العطاوي
08-20-2008, 06:00 PM
جزاك الله خيرا أختي الزهراء على هذا الموضوع الشيق
وهو امتداد لمواضيعك الممتعة والمفيدة
جعلها الله في موازين حسناتك
الزهراء
08-20-2008, 06:28 PM
جزاكم الله خيرا أخي ماجد السلمي و أخي عبدالرحمن العطاوي
رزقكم الله الفردوس الأعلى و غفر الله لكم و لأمة محمد صلى الله عليه و سلم
الزهراء
08-20-2008, 06:35 PM
سعيد بن عامر
- العظَمَةُ تحتَ الأَسْمال !! -
أيُّنا يعرف هذا الاسم، وأَيُّنا سَمِعَ به من قبل..؟؟
أغلب الظن أن أكثرنا، إن لم نكن جميعاً، لم نسمع به قَطّ.. وكأني بكم إذ تطالعونه الآن تتساءلون: - ومَن يكون عامر هذا..؟؟
أجل ... سنعلم - اللحظة - من هذا السعيد..!!
***
إنه واحد من كبار أصحاب رسول الله ، وإن لم يكن لاسمه ذلك الرنين المألوف لأسماء كبار الأصحاب .
إنه واحد من كبار الأتقياء الأخفياء..!!
ولعل من نافلة القول وتكراره، أن ننِّوه بملازمته رسول الله في جميع مشاهده وغزواته.. فذلك كان نهج المسلمين جميعاً. وما كان لمؤمن أن يتخلف عن رسول الله في سِلْمٍ أو جهاد.
أسلم ((سعيد)) قبيل فتح خيبر، ومنذ عانق الإسلام وبايَع الرسول، أعطاهما كل حياته، ووجوده ومصيره.
فالطاعة، والزهد، والسمو.. والإخْبَات، والورع، والترفع.
كل الفضائل العظيمة وجدت في هذا الإنسان الطيب الطاهر أخاً وصديقاً كبيراً..
وحين نسعى للقاء عظمته ورؤيتها، علينا أن نكون من الفطنة بحيث لا نخدع عن هذه العظمة وندعها تفلت منا وتتنكر..
فحين تقع العين على ((سعيد)) في الزحام، لن ترى شيئا يدعوها للتلبث والتأمل..
ستجد العين واحداً من أفراد الكتيبة النامية .. أشعث أغبر. . ليس في ملبسه، ولا في شكله الخارجي، ما يمِّيزه عن فقراء المسلمين بشيء.!!
فإذا جعلنا من ملبسه ومن شكله الخارجي دليلاً على حقيقته، فلن نبصر شيئا؛ فإن عظمة هذا الرجل أكثر أصالة من أن تتبدى في أيِّ من مظاهر البذخ والزخرف.
إنها هناك كامنة مخبوءة وراء بساطته وأسماله.
أتعرفون اللؤلؤ المخبوء في جوف الصدف..؟ إنه شيء يشبه هذا..
عندما عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام، تلفَّت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه.
وأسلوب ((عمر)) في اختيار ولاته ومعاونيه، أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر، والدقة، والأناة.. ذلك أنه كان يؤمن أن أيَّ خطأ يرتكبه وَالٍ في أقصى الأرض سيسأل عنه الله اثنين: عمر، أولا.. وصاحب الخطأ ثانيا...
ومعاييره في تقييم الناس واختيار الولاة مرهفة، ومحيطة، وبصيرة، أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذاً..
والشام ، يومئذ حاضرة كبيرة، والحياة فيها قبل دخول الإسلام بقرون، تتقلب بين حضارات متساوقة.. وهي مركز هام للتجارة. ومرتع رحيب للنعمة.. وهي بهذا، ولهذا ، دار إغراء. ولا يصلح لها في رأي عمر إلا قديس تفرُّ كل شياطين الإغراء أمام عزوفه.. وإلا زاهد، عابد، قانت، أوّاب..
وصاح عمر: - قد وجدته .. إليَّ بسعيد بن عامر..!!
وفيما بعد ، يجيء سعيد إلى أمير المؤمنين ويعرض عليه ولاية حمص..
ولكنّ سعيداً يعتذر ويقول: (( لا تَفْتِنِّي، يا أمير المؤمنين))..
فيصيح به عمر:
(( والله ، لا أَدَعُك.. أتَضَعُون أمانتكم وخلافتكم في عُنُقي.. ثم تتركوني ))..؟؟!!
واقتنع سعيد في لحظة، فقد كانت كلمات عمر حَرِيَّة بهذا الإقناع.
أجل.. ليس من العدل أن يقلِّدوه أمانتهم وخلافتهم، ثم يتركوه وحيداً.. وإذا انفضّ عن مسؤولية الحكم أمثال سعيد بن عامر، فأنَّى لعمر من يعينه على تبعات الحكم الثقال..؟؟
خرج سعيد إلى حمص، ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وكانت عروسه منذ طفولتها فائقة الجمال والنضرة.. وزوَّده عمر بقدر طيّب من المال.
ولمّا استَقرَّا في حمص .. أرادت زوجته أن تستعمل حقَّها كزوجة في استثمار المال الذي زوَّده به عمر.. وأشارت عليه بأن يشتري ما يلزمهما من لباس لائق، ومتاع وأثاث.. ثم يدَّخر الباقي..
وقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا..؟؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعطِ هذا المال من يتجر لنا فيه وينمّيه..
قالت: فإن خسرتْ تجارته..؟
قال سعيد: سأجعل ضمانها عليه..!!
قالت: فنعم إذن..
وخرج سعيد، فاشترى بعض ضروريات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال في الفقراء والمحتاجين..
ومرّت الأيام.. وبين الحين والحين تسأله زوجه عن تجارتهما وأيَّان بلغت من الأرباح..
ويجيبها سعيد: إنها تجارة موفقة. وإن الرباح تنمو وتزيد.
وذات يوم سألته نفس السؤال أمام قريب له كان يعرف حقيقة الأمر فابتسم، ثم ضحك ضحكة أوحت إلى روع الزوجة بالشك والريب، فألحت عليه أن يصارحها الحديث، فقال لها: لقد تصدَّق بالمال جميعه من ذلك اليوم البعيد.
فبكت زوجة سعيد، وآسفَها أنها لم تذهب من هذا المال بطائل فلا هي ابتاعت لنفسها ما تريد، ولا المال بَقِي..
ونظر إليها (( سعيد)) وقد زادتها دموعها الوديعة الآسية جمالا وروعة.
وقبل أن ينال المشهد الفاتن من نفسه ضعفا، ألقى بصيرته نحو الجنة فرأى فيها أصحابه السابقين الراحلين، فقال:
(( لقد كان لي أصحابٌ سَبَقوني إلى الله .. وما أُحِبُّ أن أنحرِفَ عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها))..!!!
وإذ خشي أن تُدِلَّ عليه بجمالها، وكأنه يوجه الحديث إلى نفسه معها:
(( تَعْلمين أن في الجنة من الحُور العين والخيراتِ الحِسَان، ما لو أطَلّت واحدةٌ منهنَّ على الأرض لأضاءتها جميعاً، ولَقَهَرَ نُورُها نور الشمس والقمر معاً.. فَلأَن أُضَحي بك من أجْلِهن، أحْرَى وَ أَوْلى من أن أضحيَ بهنَّ من أجلك )).!!!
وأنهى الحديث كما بدأه، هادئاً، باسماً، راضياً..
وسكنت زوجته، وأدركت أنه لا شيء أفضل لهما من السير في طريق سعيد، وحمل النفس على محاكاته في زهده وتقواه..!!
***
كانت ((حمص)) أيامئذٍ، توصف بأنها ((الكوفة الثانية)) وسبب هذا الوصف، كثرة تمرُّد أهلها واختلافهم على ولاتهم.
ولمّا كانت ((الكوفة)) في العراق صاحبة السبق في هذا التمرُّد فقد أخذت ((حمص)) اسمها ِلما شابهتها...
وعلى الرغم من ولع الحمصيين بالتمرُّد كما ذكرنا، فقد هدى الله قلوبهم لعبده الصالح سعيد، فأحبوه وأطاعوه.
ولقد سأله عمر يوماً فقال: (( إن أهل الشام يحبونك)).؟
فأجابه سعيد قائلاً: (( لأني أعاونهم وأواسيهم )) ...؟
بيد أنه مهما يكن حب أهل حمص لسعيد، فلا مفرَّ من أن يكون هناك بعض التذمر والشكوى.. على الأقل لتثبت ((حمص)) أنها لا تزال المنافس القوي لـ(( كوفة)) العراق..!!
و ذات يوم ، و أمير المؤمنين عمر يزور ((حمصاً)) سأل أهلها في جمع حاشد : ما تقولون في سعيد ..؟؟
وتقدَّم بعضهم يشكو منه، وكانت شكوى مباركة، فقد كشفت عن جانب من عظمة الرجل، عجيب جد عجيب ..!!
طلب عمر من الزمرة الشاكية أن تعدد نقاط شكواها، واحدة ، واحدة..
فنهض المتحدث بلسان هذه الزمرة : وقال: نشكو منه أربعا..
* لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار...
* ولا يُجِيب أحداً بليل...
* وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه.
* وأُخْرَى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا، وهي أنه تأخذه الغَشْيَة - أي الإغماء - بين الحين والحين..
وجلس الرجل..
وأطرق عمر ملياً، وابتهل إلى الله همساً و قال:
(( اللهم إني أعرفُه من خير عِبَادك...
اللهم لا تُخيِّب فيه فِرَاستي ))..
ودعاه للدفاع عن نفسه، فقال سعيد:
أما قولهم: إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار..
(( فَوَالله لقد كُنتُ أَكْرهُ ذِكْرَ السبب ... إنه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدَعُهُ يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأُ للضحى، ثم أخرجُ إليهم ))..
وتهلل وجه عمر، وقال: الحمد لله.. والثانية..؟!
وتابع سعيد حديثه:
* وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل..
((فوالله، لقد كُنتُ أَكْرهُ ذِكْرَ السبب ... إني جعلت النهار لهم ، والليل لربي )) ...
* وأما قولهم: إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما..
(( فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس لي ثياب أُبَدِّلُها، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر حتى يجفَّ بعد حين.. وفي آخر النهار أخرج اليهم ))..
* وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين والحين..
(( فقد شهدتُ مصرع خُبَيْبٍ الأنصاري بمكة ، وقد بَضَعت قريش لحمه ، وحملوه على جَذَعه ، وهم يقولون له: أحبُّ أن محمداً مكانك، وأنت سليمٌ مُعافى..؟ فيجيبهم قائلا: والله ما أُحِبُ أني في أهلي وولدي، معي عافيةُ الدنيا ونعيمها، وُيصَابُ رسول الله بشوكة..
(( فكلما ذَكرتُ ذلك المشهد الذي رأيته، أنا يومئذٍ من المشركين، ثم تذكَّرْتُ تركي نُصْرَة خُبيْب يومها، أرتجف خوفاً من عذاب الله ، ويَغْشَاني الذي يغشاني ))..
وانتهت كلمات سعيد، التي كانت تغادر شفتَيْه مبللة بدموعه الورعة الطاهرة...
ولم يتمالك عمر نفسه ونشوته؛ فصاح من فرط حبوره.
(( الحمدُ لله الذي لم يُخَيِّبْ فِراستي )).!!
وعانق سعيداً، وقبَّل جبهته المضيئة العالية...
***
أي حظ من الهدى ناله هذا الطراز من الخلق..؟؟
أي معلم كان رسول الله..؟؟
أي نور نافذ، كان كتاب الله ...؟؟
وأي مدرسة مُلْهمة ومعلمة، كان الإسلام..؟؟
ولكن، هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عدداً كثيراً من هذا الطراز..؟؟
إنه لو حدث هذا، لَما بقيت أرضاً .. إنها تصير فردوساً..
أجل.. تصير الفردوس الموعود..
ولمّا كان الفردوس لم يأتِ زمانه بعد، فإن الذين يمرّون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل.. قليلون دائماً ونادرون..
و ((سعيد بن عامر)) واحد منهم..
كان عطاؤه وراتبه كثيراً بحكم عمله ووظيفته، ولكنه كان يأخذ منه ما يكفيه وزوجه.. ثم يوزّع باقيه على بيوت أخرى فقيرة..
ولقد قيل له يوما:
(( توسَّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك )).
فأجاب قائلاً:
(( ولماذا أهلي وأصْهَاري..؟؟
لا والله، ما أنا ببائعٍ رضَا الله بِقَرَابة ))..
وطالما كان يقال له:
(( توسَّع وأهل بيتك في النفقة وخذ من طيّبات الحياة ))..
ولكنه كان يجيب دائماً ، ويردِّد أبداً كلماته العظيمة هذه:
(( ما أنا بالمتخِّلف عن الرّعِيل الأوَّلِ، بعد أن سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يَجْمع الله عَزَّ وجلَّ الناسَ للحساب، فيجيء فُقَرَاءُ المؤمنين يَزِفُّون كما تزفُّ الحمام، فَيُقال لهم: قِفُوا للحساب، فيقولون: ما كان لنا شيء نُحَاسب عليه ... فيقول الله: صَدَقَ عِبَادي.. فيدخلون الجنة قبل الناس ))..
***
وفي العام العشرين من الهجرة، لَقِيَ سعيد ربه أنقى ما يكون صفحة ، وأتقى ما يكون قلباً ، وأنضر ما يكون سيرة..
لقد طال شوقه إلى الرَّعِيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده، وتَتبُّع خطاه..
أجل .. لقد طال شوقه إلى رسوله ومعلمه.. وإلى رفاقه الأوَّابين المتطهرين..
واليوم يلاقيهم قرير العين. مطمئن النفس، خفيف الظهر..
ليس معه ولا وراءه من أحمال الدنيا ومتاعها ما يثقل ظهره وكاهله..
ليس معه إلا وَرَعه، وزُهده، وتُقاه، وعظمة نفسه وسلوكه
وفضائل تُثْقِل الميزان، ولكنها لا تُثْقِلُ الظهور..!!
ومزايا هَزَّ بها صاحبها الدُّنيا، ولم يَهُزَّها غرور..!!
***
سلامٌ عَلَى سَعِيد بن عامر..
سلامٌ عليه في محياه، وأُخراه..
وسلامٌ، ثم سلامٌ، على سيرته وذكراه..
وسلامٌ على الكرام البَرَرَة.. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
كتاب رجال حول الرسول صلى الله عليه و سلم
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.