أبو الوليد
08-09-2007, 10:00 PM
أيها المسلمون : إن من ينظر بعين الإنصاف والتجرد إلى حال كثير من المسلمين يرى أحوالاً تجعل الحليم حيراناً ، يرى ويسمع أموراً أطبق عليها الكثير من الناس وأصبحت عندهم مألوفة ، يتفق عليها القريب والبعيد ، مع العلم أن بعض تلك الأمور قد تلج بصاحبها إلى باب عظيم من أبواب الإثم والعصيان . وبعضها يُعاب على صاحبها أنه تمسك بها ، ولتقريب ذلك يُقال :
نرى كثيراً من المسلمين يحافظون على تقاليدهم وعاداتهم أشد المحافظة ، بل ويتوارثونها جيلاً بعد جيل . وهذا لا حرج فيه ولا عيب إن سلم من المحاذير الشرعية ، لكن العجيب في كثير منهم أنهم يتهاونون بأمور هي أحق وأولى بالحفظ والتعاهد .
ونتيجة لهذا الخلط العجيب أصبحنا نرى ونسمع كثيراً من المتناقضات التي أصبحت أمراً مألوفاً عند كثير من الناس .
والتناقض هو التخالف ويكون في الأفعال والأقوال ، وبكل حال فإن الباحث لتلك المتناقضات بين أفراد المجتمع يجد أن مردها ومنشأها يعود إلى أسباب كثيرة منها : ضعف الوازع الديني وعدم تذكر الموت ومابعده ، وعدم مجالسة الصالحين عامة وأهل العلم خاصة ، والتحسين والتقبيح حسب الهوى والشهوة ، ومجاراة ومحاكاة الواقع العام والاغترار بالكثرة ، وقلة الرصيد العلمي .
أيها المسلمون : وبعد هذه المقدمة أذكر لكم بعضاً من المتناقضات التي يقع فيها كثير من الناس جهلاً أو عناداً أو تقليداً ، أذكر تلك الأمور علّ من كان مصاباً بها أو بشيء منها أن يُسارع إلى الإقلاع عنها ، والحذر والتحذير منها . فمن تلك التناقضات :
جرأة كثير من الناس على إصدار الفتاوى الشرعية مع أنهم يجهلون كثيراً ، ولم يُعرفوا بالعلم أو مجالسة أهل العلم بل إنهم زادوا المصيبة وبالاً وشناعة ، عندما قاموا يُخطئون العلماء الراسخين ، فنصبوا أنفسهم فقهاء ومحدثين ،
وفي المقابل تجد أن ذلك الصنف من الناس يُمسكون ألسنتهم عن الخوض في الأمور الطبية والمعمارية ، فلا يقبلون وصفة دواء إلا من طبيب حاذق ، ولا يشرع أحدهم في مشروع معماري إلا برأي مهندس عارف ، بل ويزجرون من تكلم في أمر الطب أو البناء وهو جاهل بذلك .
إن هذا لشيء عجاب ! ماهذا التناقض ؟ أيحتاطون لأمر دنياهم ويفرطون في أمر دينهم ؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ( يالله العجب ! لو ادعى رجل معرفة صناعة من صنائع الدنيا ، ولم يعرفه الناس بها ، ولا شاهدوا عنده آلاتها ، لكذبوه في دعواه ولم يأمنوه على أموالهم ، ولم يمكنوه أن يعمل فيها مايدعيه من تلك الصناعة ، فكيف بمن يدعي معرفة أمر الرسول صلىالله عليه وسلم ، وماشوهد قط يكتب علم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يجالس أهله ولا يدارسهم ؟ فيالله العجب ! كيف يقبل أهل العقل دعواه ، ويحكمونه في أديانهم يفسدها بدعواه الكاذبة ) انتهى . وبكل حال : فالواجب على المسلم أن يتورع وأن يحفظ لسانه عن القول على بلا علم ، فذلك من أعظم الذنوب والكبائر ، قال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها ومابطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) .
ومن التناقضات أيضاً : تنطع بعض الناس في السؤال عن سبب تحريم بعض الأمور والتكلف في ذلك بقصد أن يجعل لنفسه مخرجاً ينفذ منه إلى ماتهوى نفسه ، كقول بعضهم : لم كان الربا حراماً ؟ ولم كان الغناء حراماً ؟ ولم لايجوز اسبال الثياب ؟ وهلم جرا من تلك الاستفهامات القيمة التي أراد بها أن يسوغ لنفسه مخرجاً ومخلصاً مما وقع فيه من الخطيئات والموبقات .
ووجه التناقض في هذا أن ترى أولئك القوم إذا منعهم طبيب من شراب معين أو طعام معين ، بادروا بالتسليم المطلق ولم يترددوا في قبول كلامه ، بل إن بعضهم من حرصه يستعيد الطبيب مراراً وتكراراً في أسماء تلك الأشياء التي مُنع منها حتى تزداد رسوخاً في ذهنه ، فياسبحان الله ، وياعجباً من أمر أولئك ! يعترضون على الله في حكمه وهو العليم الحكيم في تشريعه وتدبيره ، ويخضعون لأمر البشر بقناعة تامة وتسليم مطلق ، فأين أولئك من قول الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) وأين أولئك أيضاً من قوله تعالى ( وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) .
ومن التناقضات التي نراها صباح مساء : أن بعض الآباء يستشعر المسؤولية في حق أبنائه ويقوم بها حق القيام في جانب مهم ، لكنه يترك جانباً أم ، فأولئك الآباء يسعون جاهدين في توفير مايحتاجه البيت والأولاد من مأكل ومشرب وملبس ومركب ، بل ولا يدخرون في ذلك وقتاً ولا مالاً ، وهم مشكورون مأجورون على ذلك ، لكنهم غفلوا عن رعاية الجانب الأهم ، فترى أولئك الآباء ، لايلقون بالاً ولا اهتماماً في تربية أبنائهم ورعايتهم في أقوالهم وأفعالهم ، فلا يدري أولئك عن أبنائهم ، فهذا الجانب لايعيرونه اهتماماً ، بل إن بعض الآباء لايعرف أولاده إلا عند المرض أو حال الامتحانات ، فإذا مرض الولد أو قرب موعد امتحانه في دراسته ، رأيت ذلك الوالد مشفقاً وجلاً ، فإذا مانجح الولد أو شُفي من مرضه كان حاله كما قال القائل : ( ودع هريرة إن الركب مرتحل ) وقد يكون الولد لايعرف جمعة ولاجماعة ، ومع هذا كله لاترى لذلك الوالد أثراً في محاولة إصلاح هذا الجانب .
ومثل هذا التناقض : أن ترى بعض الناس إذا أقام وليمة سارع إلى دعوة جيرانه ، طرقاً لأبوابهم ، أو مهاتفة لهم ، يحرص على ذلك ، بل ويعاتب من تخلف عن دعوته ، ومثل هذا الحرص أيضاً مايكون عند مرض أحد جيرانه فترى ذلك الجار يخبر كل ممن رأى من أهل الجوار بأن فلاناً مريضاً ، ويحثهم على عيادته والاطمئنان عليه ، ولاشك ولاريب أن صنيعه هذا يدل أخلاق نبيلة ومروءة رفيعة ، لكن الذي يحز في النفس أن يكون ذلك الجار أو غيره تاركاً للصلاة أو متهاوناً بها ، فلا ترى ذلك الحرص عليه والتعاهد لنصحه ووعظه ، بل إن الأدهى من ذلك والأمَرّ : أن ترى كثيراً من الجيران يضاحكه ويمازحه ويكلمه في كل شيء إلا فيما يتعلق بأمر الصلاة ، بل ، وإن كانت له مصلحة مع ذلك المقصر في الصلاة التمس له المعاذير ، فحسبنا الله ونعم الوكيل . ********
أيها المسلمون : ومن المتناقضان كذلك : مايكون من بعض الناس إذا دعي إلى وليمة لبس أحسن الثياب وأجملها ، وكذلك عند ذهابه إلى عمله وجلوسه مع أصحابه في مكان العمل ، بل يصعب عليه وتضعف نفسه إن يُرى بملابس رثة ، ولا شك ولا ريب أن لبس الحسن من الثياب والتجمل أمام الاخرين من محاسن الإسلام التي حث عليها الشارع الحكيم ، قالوا يارسول الله : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ، فقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله جميل يحب الجمال ) رواه مسلم .
فعناية المسلم بحسن نعله وملبسه أمر محمود شرعاً وعقلاً ، لكنّ عين التناقض أن بعض الناس يكون اهتمامه بحسن مظهره عند مقابلته لأصحابه والذهاب إلى مكان عمله ، أما عند وقوفه بين يدي ربه في الصلاة فيلبس أرث الملابس ، بل ملابس لايمكن أبداً أن يذهب إلى عمله وهي عليه ، ومع هذا كله فالأمر عند هذا لاغضاضة فيه ولا كراهة ، وكان الأولى بهذا وأمثاله أن يحرص على أن يكون في صلاته ذا هيئة حسنة ومنظر حسن ، فالتجمل بالملبس والمظهر أثناء الصلاة أولى واجدر من غيرها ، قال تعالى ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .
ومن التناقضات أيضاً : مايكون من بعض الناس من تأخيرهم أداء فريضة الحج سنين عديدة ، مع عدم وجود الموانع ، بل مع قدرتهم التامة على أدائه بكل يسر وسهولة ، ومع هذا كله إذا كُلّم أولئك في عدم مبادرتهم بأداء الحد تعذروا بمشقة الزحام وكثرة الأشغال ، ثم يأخذون في التسويف على الأعوام القادمة ، ولا يزالون على هذا الطبع حتى ينقضي العمر أو تحدث لهم الموانع . وعين التناقض في حال أولئك : أن الواحد منهم يُسافر الأوقات الطويلة مع النفقات الكثيرة ، ويقطع المسافات الطويلة في سبيل التنزه والتفرج دون تضجر أو كدر ، بل يجدون في ذلك سعادة غامرة وراحة نفسية تامة ، وهذا من الخذلان والانتكاس ، وإلا فكيف يتثاقل مسلم عاقل عن أداء فريضة لا تبرأ ذمة المكلف القادر إلا بالإتيان بها .
ومن التناقضات أيضاً : أن ترى بعض الناس يستشيط غضباً إذا أهين بكلمة جارحة ، ويبدأ في مجادلة صاحبه ومراجعته في الكلام . ووجه التناقض هنا أن ذلك الغاضب لنفسه لو سمع سخرية بحكم من أحكام الشرع أو تهاوناً به ، أو سمع تهكماً وسخرية بأحد العلماء ، لما حرّك لذلك ساكناً ، وإن تأثر فإن تأثره يكون من طرف خفي ، وهذا عين التناقض إذ أنه جعل الغضب في موضع يُحمد فيه الحلم وكظم الغيظ وفي المقابل ترك الغضب في موضع يُحمد فيه الغضب . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ماانتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ) نعم للإنسان أن يغضب إذا اعتدي عليه ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل ) شريطة ألا يتجاوز الغضب حده في هذا الموضع .
مع العلم أن ترك الغضب وكظم الغيظ وإيثار الاحتساب عند الله أفضل وأكمل ، أما الغضب عند انتهاك حرمات الله تعالى فينبغي للمسلم أن يوطن نفسه عليه ، إذ كان ذاك من نهج النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن التناقضات أيضاً : مايلاحظ من بعض الناس من الإسراف في شراء الكماليات حتى ترى منزله وقد امتلأ بعشرات التحف والآثار وجميع أنواع الزينة وقد تزيد قيمتها على آلاف الريالات ، ووجه التناقض هنا أنه لو طُلب من أولئك مساهمة في مشروع خيري ينفع الإسلام والمسلمين لأظهر أسفه واعتذاره ، وأبدى في ذلك وأعاد من التماس المخارج والمعاذير .
نرى كثيراً من المسلمين يحافظون على تقاليدهم وعاداتهم أشد المحافظة ، بل ويتوارثونها جيلاً بعد جيل . وهذا لا حرج فيه ولا عيب إن سلم من المحاذير الشرعية ، لكن العجيب في كثير منهم أنهم يتهاونون بأمور هي أحق وأولى بالحفظ والتعاهد .
ونتيجة لهذا الخلط العجيب أصبحنا نرى ونسمع كثيراً من المتناقضات التي أصبحت أمراً مألوفاً عند كثير من الناس .
والتناقض هو التخالف ويكون في الأفعال والأقوال ، وبكل حال فإن الباحث لتلك المتناقضات بين أفراد المجتمع يجد أن مردها ومنشأها يعود إلى أسباب كثيرة منها : ضعف الوازع الديني وعدم تذكر الموت ومابعده ، وعدم مجالسة الصالحين عامة وأهل العلم خاصة ، والتحسين والتقبيح حسب الهوى والشهوة ، ومجاراة ومحاكاة الواقع العام والاغترار بالكثرة ، وقلة الرصيد العلمي .
أيها المسلمون : وبعد هذه المقدمة أذكر لكم بعضاً من المتناقضات التي يقع فيها كثير من الناس جهلاً أو عناداً أو تقليداً ، أذكر تلك الأمور علّ من كان مصاباً بها أو بشيء منها أن يُسارع إلى الإقلاع عنها ، والحذر والتحذير منها . فمن تلك التناقضات :
جرأة كثير من الناس على إصدار الفتاوى الشرعية مع أنهم يجهلون كثيراً ، ولم يُعرفوا بالعلم أو مجالسة أهل العلم بل إنهم زادوا المصيبة وبالاً وشناعة ، عندما قاموا يُخطئون العلماء الراسخين ، فنصبوا أنفسهم فقهاء ومحدثين ،
وفي المقابل تجد أن ذلك الصنف من الناس يُمسكون ألسنتهم عن الخوض في الأمور الطبية والمعمارية ، فلا يقبلون وصفة دواء إلا من طبيب حاذق ، ولا يشرع أحدهم في مشروع معماري إلا برأي مهندس عارف ، بل ويزجرون من تكلم في أمر الطب أو البناء وهو جاهل بذلك .
إن هذا لشيء عجاب ! ماهذا التناقض ؟ أيحتاطون لأمر دنياهم ويفرطون في أمر دينهم ؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ( يالله العجب ! لو ادعى رجل معرفة صناعة من صنائع الدنيا ، ولم يعرفه الناس بها ، ولا شاهدوا عنده آلاتها ، لكذبوه في دعواه ولم يأمنوه على أموالهم ، ولم يمكنوه أن يعمل فيها مايدعيه من تلك الصناعة ، فكيف بمن يدعي معرفة أمر الرسول صلىالله عليه وسلم ، وماشوهد قط يكتب علم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يجالس أهله ولا يدارسهم ؟ فيالله العجب ! كيف يقبل أهل العقل دعواه ، ويحكمونه في أديانهم يفسدها بدعواه الكاذبة ) انتهى . وبكل حال : فالواجب على المسلم أن يتورع وأن يحفظ لسانه عن القول على بلا علم ، فذلك من أعظم الذنوب والكبائر ، قال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها ومابطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) .
ومن التناقضات أيضاً : تنطع بعض الناس في السؤال عن سبب تحريم بعض الأمور والتكلف في ذلك بقصد أن يجعل لنفسه مخرجاً ينفذ منه إلى ماتهوى نفسه ، كقول بعضهم : لم كان الربا حراماً ؟ ولم كان الغناء حراماً ؟ ولم لايجوز اسبال الثياب ؟ وهلم جرا من تلك الاستفهامات القيمة التي أراد بها أن يسوغ لنفسه مخرجاً ومخلصاً مما وقع فيه من الخطيئات والموبقات .
ووجه التناقض في هذا أن ترى أولئك القوم إذا منعهم طبيب من شراب معين أو طعام معين ، بادروا بالتسليم المطلق ولم يترددوا في قبول كلامه ، بل إن بعضهم من حرصه يستعيد الطبيب مراراً وتكراراً في أسماء تلك الأشياء التي مُنع منها حتى تزداد رسوخاً في ذهنه ، فياسبحان الله ، وياعجباً من أمر أولئك ! يعترضون على الله في حكمه وهو العليم الحكيم في تشريعه وتدبيره ، ويخضعون لأمر البشر بقناعة تامة وتسليم مطلق ، فأين أولئك من قول الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) وأين أولئك أيضاً من قوله تعالى ( وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) .
ومن التناقضات التي نراها صباح مساء : أن بعض الآباء يستشعر المسؤولية في حق أبنائه ويقوم بها حق القيام في جانب مهم ، لكنه يترك جانباً أم ، فأولئك الآباء يسعون جاهدين في توفير مايحتاجه البيت والأولاد من مأكل ومشرب وملبس ومركب ، بل ولا يدخرون في ذلك وقتاً ولا مالاً ، وهم مشكورون مأجورون على ذلك ، لكنهم غفلوا عن رعاية الجانب الأهم ، فترى أولئك الآباء ، لايلقون بالاً ولا اهتماماً في تربية أبنائهم ورعايتهم في أقوالهم وأفعالهم ، فلا يدري أولئك عن أبنائهم ، فهذا الجانب لايعيرونه اهتماماً ، بل إن بعض الآباء لايعرف أولاده إلا عند المرض أو حال الامتحانات ، فإذا مرض الولد أو قرب موعد امتحانه في دراسته ، رأيت ذلك الوالد مشفقاً وجلاً ، فإذا مانجح الولد أو شُفي من مرضه كان حاله كما قال القائل : ( ودع هريرة إن الركب مرتحل ) وقد يكون الولد لايعرف جمعة ولاجماعة ، ومع هذا كله لاترى لذلك الوالد أثراً في محاولة إصلاح هذا الجانب .
ومثل هذا التناقض : أن ترى بعض الناس إذا أقام وليمة سارع إلى دعوة جيرانه ، طرقاً لأبوابهم ، أو مهاتفة لهم ، يحرص على ذلك ، بل ويعاتب من تخلف عن دعوته ، ومثل هذا الحرص أيضاً مايكون عند مرض أحد جيرانه فترى ذلك الجار يخبر كل ممن رأى من أهل الجوار بأن فلاناً مريضاً ، ويحثهم على عيادته والاطمئنان عليه ، ولاشك ولاريب أن صنيعه هذا يدل أخلاق نبيلة ومروءة رفيعة ، لكن الذي يحز في النفس أن يكون ذلك الجار أو غيره تاركاً للصلاة أو متهاوناً بها ، فلا ترى ذلك الحرص عليه والتعاهد لنصحه ووعظه ، بل إن الأدهى من ذلك والأمَرّ : أن ترى كثيراً من الجيران يضاحكه ويمازحه ويكلمه في كل شيء إلا فيما يتعلق بأمر الصلاة ، بل ، وإن كانت له مصلحة مع ذلك المقصر في الصلاة التمس له المعاذير ، فحسبنا الله ونعم الوكيل . ********
أيها المسلمون : ومن المتناقضان كذلك : مايكون من بعض الناس إذا دعي إلى وليمة لبس أحسن الثياب وأجملها ، وكذلك عند ذهابه إلى عمله وجلوسه مع أصحابه في مكان العمل ، بل يصعب عليه وتضعف نفسه إن يُرى بملابس رثة ، ولا شك ولا ريب أن لبس الحسن من الثياب والتجمل أمام الاخرين من محاسن الإسلام التي حث عليها الشارع الحكيم ، قالوا يارسول الله : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ، فقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله جميل يحب الجمال ) رواه مسلم .
فعناية المسلم بحسن نعله وملبسه أمر محمود شرعاً وعقلاً ، لكنّ عين التناقض أن بعض الناس يكون اهتمامه بحسن مظهره عند مقابلته لأصحابه والذهاب إلى مكان عمله ، أما عند وقوفه بين يدي ربه في الصلاة فيلبس أرث الملابس ، بل ملابس لايمكن أبداً أن يذهب إلى عمله وهي عليه ، ومع هذا كله فالأمر عند هذا لاغضاضة فيه ولا كراهة ، وكان الأولى بهذا وأمثاله أن يحرص على أن يكون في صلاته ذا هيئة حسنة ومنظر حسن ، فالتجمل بالملبس والمظهر أثناء الصلاة أولى واجدر من غيرها ، قال تعالى ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .
ومن التناقضات أيضاً : مايكون من بعض الناس من تأخيرهم أداء فريضة الحج سنين عديدة ، مع عدم وجود الموانع ، بل مع قدرتهم التامة على أدائه بكل يسر وسهولة ، ومع هذا كله إذا كُلّم أولئك في عدم مبادرتهم بأداء الحد تعذروا بمشقة الزحام وكثرة الأشغال ، ثم يأخذون في التسويف على الأعوام القادمة ، ولا يزالون على هذا الطبع حتى ينقضي العمر أو تحدث لهم الموانع . وعين التناقض في حال أولئك : أن الواحد منهم يُسافر الأوقات الطويلة مع النفقات الكثيرة ، ويقطع المسافات الطويلة في سبيل التنزه والتفرج دون تضجر أو كدر ، بل يجدون في ذلك سعادة غامرة وراحة نفسية تامة ، وهذا من الخذلان والانتكاس ، وإلا فكيف يتثاقل مسلم عاقل عن أداء فريضة لا تبرأ ذمة المكلف القادر إلا بالإتيان بها .
ومن التناقضات أيضاً : أن ترى بعض الناس يستشيط غضباً إذا أهين بكلمة جارحة ، ويبدأ في مجادلة صاحبه ومراجعته في الكلام . ووجه التناقض هنا أن ذلك الغاضب لنفسه لو سمع سخرية بحكم من أحكام الشرع أو تهاوناً به ، أو سمع تهكماً وسخرية بأحد العلماء ، لما حرّك لذلك ساكناً ، وإن تأثر فإن تأثره يكون من طرف خفي ، وهذا عين التناقض إذ أنه جعل الغضب في موضع يُحمد فيه الحلم وكظم الغيظ وفي المقابل ترك الغضب في موضع يُحمد فيه الغضب . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ماانتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ) نعم للإنسان أن يغضب إذا اعتدي عليه ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل ) شريطة ألا يتجاوز الغضب حده في هذا الموضع .
مع العلم أن ترك الغضب وكظم الغيظ وإيثار الاحتساب عند الله أفضل وأكمل ، أما الغضب عند انتهاك حرمات الله تعالى فينبغي للمسلم أن يوطن نفسه عليه ، إذ كان ذاك من نهج النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن التناقضات أيضاً : مايلاحظ من بعض الناس من الإسراف في شراء الكماليات حتى ترى منزله وقد امتلأ بعشرات التحف والآثار وجميع أنواع الزينة وقد تزيد قيمتها على آلاف الريالات ، ووجه التناقض هنا أنه لو طُلب من أولئك مساهمة في مشروع خيري ينفع الإسلام والمسلمين لأظهر أسفه واعتذاره ، وأبدى في ذلك وأعاد من التماس المخارج والمعاذير .